على العالم أن يستعد لحالة من عدم الاستقرار المالي

جون بلندر

هل قارب عصر استقلال البنوك المركزية من نهايته؟ إن هذا السؤال يفرض نفسه مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فالرئيس القادم لم يخف رغبته في الإخضاع الكامل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، حارس العملة الرئيسية للاحتياطيات في العالم.

صحيح أن مزايا استقلال البنوك المركزية قد تكون محاطة بقدر كبير من المبالغة في تقديرها. وينسب محافظو البنوك المركزية الفضل إلى أنفسهم في تحقيق تضخم منخفض مستدام في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فيما سمي بـ«الاعتدال الكبير» في حين أن الأسعار المستقرة كانت في الواقع نتاج صدمة سوق العمل العالمية إلى حد كبير. وقد نتج ذلك عن دمج الصين والدول النامية الأخرى في الاقتصاد العالمي. ثم تلا ذلك تحول عميق في ميزان القوى بين العمل ورأس المال وميل في صراع التوزيعات بين المدينين والدائنين لصالح الأخير. ولم يكن هناك دور بارز لمحافظي البنوك المركزية في إدارة الارتفاع الأخير في التضخم في أعقاب جائحة كوفيد واندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

ورغم ذلك كله، فإن البديل لاستقلال البنوك المركزية ليس مقبولاً على الإطلاق. ولنفكر فقط في التسييس الشامل للسياسة النقدية في بعض الأحيان في الأرجنتين، على سبيل المثال، لكي ندرك هذه النقطة. إن القدرة على تنفيذ السياسة النقدية بمعزل عن الضغوط الحكومية تشكل أهمية كبيرة. والمنطق هنا هو أن الحكومات المنتخبة لديها الحافز لخفض معدلات البطالة في الأمد القريب على حساب التأثيرات الأطول أمداً على التضخم والنمو. كما أن هذه البلدان لديها أيضاً الحافز، عندما تكون مثقلة بالديون، للاعتماد على التضخم لخفض القيمة الحقيقية لالتزامات الديون.

وكما أدرك الناخبون في السبعينيات والثمانينيات، فإن مثل هذه المقايضات كارثية. وكانت النتيجة أن سلطات السياسة النقدية في جميع أنحاء العالم تقريباً فقدت مصداقيتها. وقد تطلب الأمر أسعار فائدة مرتفعة للغاية، وركوداً عالمياً، وإلهاماً من رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر البنوك المركزية، لإعادة العالم إلى مسار التضخم المنخفض. وهكذا، فإنه في مجال السياسة النقدية، تعد المصداقية هي كل شيء. وعلى هذا الأساس هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الاستقلال في السعي إلى تحقيق التفويض المزدوج لبنك الاحتياطي الفيدرالي المتمثل في تعزيز الحد الأقصى لتشغيل العمالة والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار الأسعار سوف يشكل أهمية بالغة في ظل إدارة ترامب التي تتمتع بأغلبية جمهورية في كل من مجلسي النواب والشيوخ. وقد تعهد ترامب باتباع عدد كبير من سياسات الاقتصاد الكلي والتجارة والتضخم، مثل التخفيضات الضريبية الموسعة، والتعريفات الجمركية العالية على الواردات، والترحيل الجماعي للمهاجرين، وهو ما سيفرض حالة من التشديد الخطير في أسواق العمل.

وفي الواقع فإن الاقتصاد الأمريكي سيواجه صدمات كبيرة من العرض والتي تترافق مع السياسة المالية التوسعية. ويشير هذا حتماً إلى تضخم أعلى وأكثر تقلباً، وكل هذا على خلفية ارتفاع الدين العام إلى ما يتجاوز 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وكذا توقعات ببيئة أكثر تحريراً للضوابط التنظيمية في القطاع المصرفي، وهو ما من شأنه أن يشجع العودة إلى الإفراط في خوض المخاطر.

علاوة على ذلك، تأتي المشكلة الغريبة لهوس ترامب بالعملات المشفرة. وحسبما يشير موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، فإن العملات المشفرة تشكل تهديداً غير مسبوق للتضخم لأن معظم العملات المشفرة، باستثناء المستقرة منها، منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي وتعمل خارج نطاق السياسة العامة. وهي بالتالي تسبب قدراً كبيراً من عدم اليقين في المعاملات المالية، مما يجعلها أساساً غير جدير بالثقة لاتخاذ القرارات الاقتصادية.

وعلى الرغم من الإنجاز الملحوظ الذي حققه بنك الاحتياطي الفيدرالي في تجنب الركود مع خفض التضخم إلى ما يقرب من هدفه البالغ 2 في المئة، فإن بعض الناس في الكابيتول هيل يروجون للعملات المشفرة كحل لفشل البنك المركزي. ويشير أوبستفيلد إلى أن السيناتور الجمهوري مايك لي، على سبيل المثال، وصف الدولار بأنه «غير مستقر» بسبب مزاعم تتعلق بدوره في ترسيخ العجز الفيدرالي. لذلك، فقد قدم تشريعاً يمنع الاحتياطي الفيدرالي من إطلاق عملته الرقمية الخاصة. وإذا تم سن مثل هذا التشريع، كما يقول أوبستفيلد، فإنه سيكون هناك مجال أكبر للعملات المشفرة غير المنظمة، مما قد يسهل الأنشطة غير المشروعة. وبالتالي فإن تأثير بنك الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد سوف يتراجع ويتقلص.

من جانبها، قدمت سينثيا لوميس، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية وايومنغ، مشروع قانون في يوليو لإنشاء «احتياطي استراتيجي من البيتكوين»، قائلة إن ذلك سيعزز الوضع المالي للولايات المتحدة، ويوفر تحوطاً ضد عدم اليقين الاقتصادي وعدم الاستقرار النقدي. والحقيقة هي أن فقاعة العملات المشفرة هي إلى حد كبير نتاج السياسة النقدية الفضفاضة للغاية التي أعقبت الأزمة المالية في الفترة 2007 ـ 2008، وإضافة إلى كونها شديدة التقلب، فإن لديها إمكانات هائلة للتعجيل بعدم الاستقرار المالي وعمليات الإنقاذ وخطر الركود. لذلك، قد تتساءل، هل يشير هذا كله إلى إخفاق يشبه فشل ليز تراس؟ الإجابة المختصرة: «هذا الأمر غير محتمل»، لأن العملة الاحتياطية العالمية تتمتع بما يسمى الامتياز الباهظ. وما دام أنه ليس هناك أخرى يمكنها أن تقدم سوقاً عميقة وسائلة مثل سندات الخزانة الأمريكية، فإن هذا لن يجدي نفعاً. ومع ذلك، فإن الجمع بين إصدارات الدين العام الضخمة وعدم القدرة على التنبؤ بأسلوب ترامب يشكل مزيجاً ساماً للأسواق. وعلى ما يبدو فإن سوق الخزانة مهيأ لأوقات مضطربة. لذا، على الجميع أن يستعد لعدم استقرار مالي.