أسباب عدة تدعو للتفاؤل بشأن ارتفاع أسعار الذهب

سوكي كوبر
تترد مجدداً الآن التساؤلات حول مكانة الذهب كملاذ آمن، فقد انخفضت أسعاره بشكل حاد منذ بداية الصراع في الشرق الأوسط، مع نسبة تقارب 12 %. 

وهذا يُناقض النظرة السائدة للذهب كملاذ آمن يوفر الاستقرار (أو يرتفع سعره) في أوقات اضطراب السوق، أو ازدياد حالة عدم اليقين، أو التوترات الجيوسياسية.

مع ذلك، أعتقد أن مكانة الذهب ما زالت قائمة حتى مع تغير دوره على المدى القصير، وأتوقع أن تختبر أسعاره مستويات قياسية جديدة. وأن يلعب الذهب دوراً رئيسياً ودوراً داعماً في الأسواق.

ومن المعروف أنه خلال فترات الأزمات، يقوم المستثمرون بالتبديل بين الأصول، وتؤدي خسائر سوق الأسهم إلى زيادة الطلب على ضمانات الهامش في التداولات. ويُعد الذهب من الأصول القليلة التي يُمكن الاعتماد عليها لتوفير السيولة دون تكبّد خسائر.

وتاريخياً، تميل احتياجات السيولة هذه إلى التأثير سلباً على الذهب لمدة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع بعد وقوع الأزمة. لكن بمجرد أن تخف حدة هذه الاحتياجات، يعيد المستثمرون بناء محافظهم الاستثمارية في الذهب. قد تستغرق هذه العملية وقتاً أطول في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة. ولنتذكر أنه خلال الأزمة المالية العالمية، على سبيل المثال، استغرق الذهب أكثر من أربعة أشهر لتعويض خسائره.

ورغم أن انخفاض سعر الذهب هذه المرة كان أشد حدة من انخفاضه خلال الصدمات الجيوسياسية السابقة، لا سيما الصراعات في الشرق الأوسط، إلا أن هناك أسباباً لهذا التباين. فقد بلغت أسعار الذهب مستويات قياسية في يناير، مما دفع المنتجات المتداولة في البورصة التي تتبعها إلى مستويات قياسية جديدة مع ارتفاع طلب المستثمرين.

وقد جعل هذا الذهب هدفاً رئيسياً للبيع. وارتفع الفارق بين أسعار السوق الفورية ومتوسطها المتحرك لـ 50 يوماً في يناير إلى مستويات لم نشهدها منذ عام 1999. أما الآن، فقد انقلبت الأمور رأساً على عقب، حيث انخفضت أسعار السوق الفورية إلى ما دون متوسطها المتحرك لـ 50 يوماً، وهذه الفجوة هي الأكبر منذ عام 2013. وانتقل الذهب بالفعل من منطقة ذروة الشراء في يناير إلى منطقة ذروة البيع منذ بداية الصراع.

إذن، ما الذي يخبرنا به سعر الذهب؟ إن الأسواق لا تزال غير متأكدة من مدة الصراع، ما يدفع إلى الحاجة المستمرة للسيولة. يتجلى ذلك في ارتفاع التقلبات الضمنية في أسواق الذهب إلى مستويات لم نشهدها منذ الجائحة.

ويبدو أن الذهب قد عاد الآن إلى التأثر في المدى القصير بتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية والغموض المحيط باستجابة السياسة النقدية للأزمة الحالية.

وعلى المدى الطويل، تميل أسعار الذهب إلى الانخفاض عند ارتفاع توقعات رفع أسعار الفائدة، مما يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب نظراً لعدم وجود عوائد له أو فوائد.

وقد تراجعت هذه العلاقة بشكل كبير منذ أواخر عام 2022 وسط إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب، لكنها عادت للظهور في الأسابيع الأخيرة مع تراجع توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية هذا العام.

وتُعد صناديق المؤشرات المتداولة وتدفقات البنوك المركزية العاملين الرئيسيين اللذين يجب مراقبتهما.

ويميل مستثمرو صناديق المؤشرات المتداولة إلى تتبع توقعات العائد الحقيقي بشكل أدق من العوامل الهيكلية.

وتشير التوقعات إلى أن صافي عمليات استرداد صناديق المؤشرات المتداولة في مارس ربما سجل أكبر انخفاض منذ سبتمبر 2022، مما يوحي بتحول قريب المدى بعيداً عن العوامل الهيكلية أو عوامل الملاذ الآمن التي تؤثر على الإقبال على الذهب. ومع ذلك، بدأ تباطؤ تصفية صناديق المؤشرات المتداولة، مما يشير إلى إمكانية تصفية المراكز المضاربة المبالغ فيها إلى حد كبير.

وبالنسبة للبنوك المركزية، تراقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات على بيع محتمل للاحتياطيات المتراكمة في السنوات الأخيرة. وقد تباطأ صافي مشترياتها من حيث الحجم العام الماضي إلى 863 طناً من أكثر من 1000 طن، لكنها استمرت في تسجيل مستويات قياسية بالقيمة الدولارية.

عموماً، هناك العديد من الأسباب التي تدعم فكرة ارتفاع أسعار الذهب، فالمعدن النفيس لا يعكس حالياً مخاطر الركود، إذ يميل إلى الارتفاع بنسبة 15 % في المتوسط خلال فترات الركود، بينما تميل أسعار السلع الصناعية إلى التأثر سلباً بانخفاض الإنتاج. كما أنه لا يعكس مخاوف الركود التضخمي.

وحتى لو تم حل الصراع الدائر في الشرق الأوسط غداً، فمن المرجح أن تبقى أسعار النفط مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد من المخاوف من ارتفاع التضخم. وباعتباره مخزناً للقيمة، تميل أسعار الذهب إلى الارتفاع في بيئة تضخمية متزايدة، لا سيما إذا كان التضخم غير متوقع ومطولاً.

ويبقى هناك العديد من العوامل الهيكلية المؤثرة على سعر الذهب، بما في ذلك المخاوف بشأن ارتفاع الدين الأمريكي والعالمي، وتراجع قيمة العملات الورقية، وعدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية والتجارة، والمخاطر الجيوسياسية.

ويعكس سعر الذهب حالياً العديد من هذه المخاوف في آن واحد، لذا من غير المرجح أن يكون مساره مستقيماً على المدى القريب.

وقد تؤثر احتياجات السيولة الحالية سلباً على الذهب لفترة أطول. ومع ذلك، نتوقع أن تستأنف الأسعار مسارها الصعودي خلال الأشهر المقبلة.