آراء الجماهير بأسواق التنبؤ بين التقديرات الدقيقة والأخطاء الكارثية

يواكيم كليمنت

اكتسبت أسواق التنبؤ، مثل بولي ماركت وكالشي، شعبية كوسيلة للاستعانة بالجمهور في تقدير احتمال وقوع الأحداث السياسية والاقتصادية والرياضية، وقد يسخر منها كثيرون، لكن آخرين يعتقدون بقدرتها على مساعدة المستثمرين وتقديم تنبؤات جيدة، في بعض الأحيان.

وقد درس أنتوني ديركس من مجلس الاحتياطي الفيدرالي وعدد من زملائه أداء تنبؤات شركة «كالشي» لبيانات التضخم وسوق العمل في الولايات المتحدة. ووجدوا أن هذه التنبؤات كانت أكثر دقةً من استطلاعات رأي المتنبئين المحترفين فيما يتعلق بالتضخم، ولكنها أقل دقةً فيما يتعلق ببيانات سوق العمل. إلا أن الفرق في الدقة كان ضئيلاً عموماً، ما يشير إلى أن أسواق التنبؤ، من الناحية العملية، تعمل بكفاءة يوازي ما تقوم به مجموعة من الخبراء الاقتصاديين.

مع ذلك، فإن الاستعانة بحكمة الجماهير للمساعدة في اتخاذ القرارات قد يؤدي أيضاً إلى إخفاقات كارثية. ويوضح جيمس سوروفيكي، في كتابه الكلاسيكي «حكمة الجماهير»، أن هناك أربعة معايير يجب توافرها لكي تكون إجابة الجمهور حكيمة.

وتُجيد أسواق التنبؤ في اثنين منها، حيث تساعد هذه الأساليب في تجميع الآراء الفردية في قرار جماعي، ودمج مدخلات الأشخاص ذوي المعرفة المحلية أو المتخصصة. أما المعياران المتبقيان فهما نقطة ضعف أسواق التنبؤ. فلكي تتمكن الجماهير من تقديم تنبؤات أدق من الخبراء، لا بد من وجود تنوع في الآراء، وأن تكون آراء أفرادها مستقلة عن بعضها. وعادةً ما تُراعى هذه الشروط عند محاولة الجماهير التنبؤ بقضايا فنية كالتضخم أو معدلات البطالة.

وعلى حد علمي، لم يحدث قط نقاش حاد حول تداعيات أحدث بيانات التضخم على قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، لكن عند الحديث عن فرص الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الفوز بالانتخابات، تتغير الأمور. ففي هذه الحالات، يفقد الناس استقلاليتهم الحقيقية في الآراء عن جيرانهم وزملائهم وأفراد عائلاتهم. وعندما تسيطر النزعة القبلية والتفكير الجماعي، تبدأ أسواق التنبؤ بالفشل.

وفي بعض الأحيان، هناك أمثلة متطرفة منها تنبؤ شركة بولي ماركت لاحتمالية تفجير سلاح نووي بحلول نهاية عام 2026. وسحبت الشركة هذا التنبؤ بعد أن جمع ما يقارب 850 ألف دولار من الرهانات، وكانت المحصلة منح فرصة 22 % لتفجير نووي في عام 2026.

مع ذلك، لا تزال منصة فيكو، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التنبؤ بالأحداث بناءً على آراء المستخدمين على الإنترنت، تقيس احتمالية استخدام سلاح نووي في نزاع خلال العام المقبل. وقد سبق لها أن قدرت احتمالية هذا الحدث بأكثر من 90% (مع أن الاحتمالية انخفضت الآن إلى 17%).

ومن الواضح أنه لا يمكن لأي شخص عاقل أن يعتقد باحتمالية 90% لمثل هذا الحدث، أو حتى بالمستوى الحالي للاحتمالية البالغ 17%. لكن على الأقل يدعونا هذا الأمر للتساؤل حول إصرار البنتاغون على استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، لأنه إذا ما تم تزويد نظام أسلحة أمريكي بتقييمات الذكاء الاصطناعي من هذا النوع، فمن المرجح للغاية أن يتم ارتكاب أخطاء كارثية، لا سيما وأن محاكاة حديثة أجريت في كلية كينجز بلندن أظهرت أن الذكاء الاصطناعي لا يتردد بالمرة في التهديد باستخدام الأسلحة النووية.

إن تراجع دقة التنبؤات عندما تفقد الآراء استقلاليتها يتضح جلياً في دراسة أجراها هانتر نج، ولين بنج، ويوبو تاو، وديكسين تشو حول أداء أسواق التنبؤات قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024. وخلصت هذه الدراسة إلى أن الأسواق المتخصصة ذات السيولة المنخفضة والجمهور المحدود تميل إلى أن تكون أقل دقة وأكثر عرضة للتلاعب.

وتسمح أسواق التنبؤات للمشاركين بالتعبير عن مستوى ثقتهم في توقعاتهم من خلال المراهنة بمبالغ أكبر على آرائهم. ولكن إذا بدأ كبار المراهنين بالمراهنة بمبالغ ضخمة على نتيجة معينة، فإنهم يغيرون احتمالات النتيجة بشكل كبير بما يتماشى مع النتيجة التي يفضلونها؛ لذا، تعكس توقعات أسواق التنبؤ، فعلياً، آراء أصحاب الثروات الطائلة أكثر من كونها آراء جماعية.

الدرس المستفاد لمستخدمي أسواق التنبؤ هو توخي الحذر. فمن المرجح أن تُظهر هذه الأسواق دقة ملحوظة في التنبؤ بالأحداث غير المتأثرة بالعواطف أو السياسة، والتي تشهد عدداً كبيراً من التوقعات، لكنها قد تفشل عندما يسود سلوك القطيع أو في الأسواق المتخصصة التي لا تجذب الكثير من المستخدمين.