المأزق الكبير لمنظمة التجارة العالمية

آلان بيتي

قلما نجد في مجال الحوكمة العالمية موضوعاً أثار هذا الكم الهائل من النقاشات مثل الموضوع المتعلق بما يمكن فعله تجاه منظمة التجارة العالمية.

فقد عرقلت الولايات المتحدة عملية تسوية المنازعات بتجميد هيئة الاستئناف التابعة للمنظمة عام 2019. وبدأت الهند بعرقلة المفاوضات كيفما تشاء، حتى تلك التي لم تكن طرفاً فيها.

حتى قبل ذلك، واجه أعضاء المنظمة صعوبة في وضع قواعد لاقتصاداتهم المتباينة بشكل كبير، ولا سيما في مواجهة الصعود المذهل للصين.

وتعقد أحدث جولة من هذا الجهد في ياوندي بالكاميرون خلال الفترة من 26 - 29 مارس الجاري، وذلك في إطار سلسلة الاجتماعات التي تنعقد كل عامين لوزراء الدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية.

ومن غير المرجح تحقيق انفراجة حقيقية. وتبرز خلال هذه الاجتماعات مقترحات الإصلاح التي قدمها بيتر أولبيرغ، السفير النرويجي النشيط الذي يرأس عملية الإصلاح، لكن ربما يكون وضع خطة للعمل المستقبلي هو أقصى ما يمكنهم تحقيقه.

وتتسبب الولايات المتحدة في الكثير من التعقيدات بإطلاقها قوائم طويلة من الشكاوى ضد منظمة التجارة العالمية ومطالبتها بالتغيير.

وللأسف، فإن أعضاء آخرين، وعن غير حكمة، يأخذون هذه الشكاوى على أنها مقترحات حسنة النية ويحاولون التفاعل معها.

ومع ذلك، من اللافت للنظر أنه على الرغم من أن منظمة التجارة العالمية كمؤسسة لطالما عانت من مشكلات.

فإن المثل التي تقوم عليها - التجارة التي تحكمها القواعد الدولية - أثبتت مرونتها في مواجهة الضغوط الشديدة من إدارة ترامب.

فقد سعى ترامب صراحة إلى إعادة تشكيل نظام التجارة العالمي على صورة الولايات المتحدة الحالية، ولكنه فشل إلى حد كبير حتى الآن.

فحملته الجمركية، على عكس قانون سموت-هاولي الكارثي لعام 1930، لم تؤد إلى تصاعد عام في النزعة الحمائية.

لقد انتهكت اتفاقيات ترامب التجارية القوية مع دول أخرى بالفعل وبشكل صارخ اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك مبدأ «الدولة الأكثر رعاية» الذي قامت عليه المنظمة، والذي ينص على المساواة في المعاملة - والذي تسعى الولايات المتحدة صراحة إلى تفكيكه.

لكن النموذج الأمريكي لم يدفع الحكومات فعلياً إلى البدء في تجربة النوع نفسه من الاتفاقيات المخالفة للقواعد ضد بعضها البعض. فلا أحد يريد هنا أن يكون مثل ترامب.

بدلاً من ذلك، تسير سياسات التجارة في أماكن أخرى على نحو مألوف، وإن لم يكن طبيعياً تماماً. فآلية اتفاقيات التجارة التفضيلية للاتحاد الأوروبي، تعمل ببطء ولكنها تحقق نتائج دقيقة للغاية.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أشارت بروكسل إلى اتفاق مع أستراليا، مكملة بذلك تقريباً مجموعة الاتفاقيات مع أعضاء اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهي مجموعة لا تزال تجتذب المزيد من طلبات الانضمام.

ويأتي ذلك في أعقاب الانتصار الكبير للاتحاد الأوروبي في إبرام اتفاق مع كتلة ميركوسور في أمريكا الجنوبية، ثم اتفاق مع الهند.

كما يعتبر توقيع نيودلهي اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي وقوى تجارية أخرى أمراً لافتاً للنظر، نظراً لدورها الأخير في عرقلة وظيفة التفاوض لمنظمة التجارة العالمية - ليس فقط من خلال عرقلة المحادثات على مستوى الدول الأعضاء، بل أيضاً من خلال محاولة منع تحالفات الدول الراغبة في إبرام اتفاقيات «متعددة الأطراف» تحت رعاية المنظمة.

وتتضمن بعض هذه الاتفاقيات حلولاً وسطية. فقد قبلت أستراليا حصة استيراد لحوم بقر أقل بكثير مما كانت ترغب فيه من الاتحاد الأوروبي.

وتخلت بروكسل عن مساعيها للحصول على مزيد من التحرير من الهند، ووقعت اتفاقية ضعيفة نسبياً. ولكن في جوهر الأمر، وهذا هو بيت القصيد: ترى الحكومات ميزة في استمرار النظام.

وهنا، ينبغي توجيه تفكير الوزراء لا نحو تفعيل الهياكل التقليدية لمنظمة التجارة العالمية، بل نحو تجاوزها والاستفادة منها لتحقيق غاية قريبة من الغاية نفسها.

وللإنصاف، فإن الولايات المتحدة (وأعضاء آخرين)، يحاولون القيام بذلك بالضبط من خلال إيجاد طرق لإدارة اتفاقيات متعددة الأطراف تقترب مما تقوم به مؤسسات وممارسات منظمة التجارة العالمية لكنها تكون خارج نطاق قدرة الهند على استخدام حق النقض (الفيتو).

وقد نجح الاتحاد الأوروبي وغيره بالفعل في دفع خطة تجاوزت عرقلة الولايات المتحدة لهيئة الاستئناف.

وذلك بإنشاء آلية تحكيم طوعية تحاكي إلى حد كبير آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية. وتضم هذه الآلية حالياً 34 عضواً، من بينهم الاتحاد الأوروبي نفسه، والصين، والبرازيل، واليابان.

وقد طرح المحكم جوست باويلين، بالتعاون مع المستشار ديمتري غروزوبينسكي، في مقال نشر هذا الأسبوع في النشرة التجارية «بوردرليكس»، فكرة بناءة مفادها أن آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية يمكن أن توسع دورها من خلال العمل كمحكم في اتفاقيات التجارة التفضيلية التي تكون أنظمتها الخاصة مهيئة لهذا الغرض.

ولن تشكل هذه التطورات، على وجه التحديد، طفرات نوعية في إدارة التجارة تضاهي إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، ولا المفاوضات المتعددة الأطراف الناجحة الثماني التي جرت منذ عام 1947 قبل إنشائها.

لكن تلك الأيام ولت: فقد انتهى دور منظمة التجارة العالمية كمنصة للتفاوض على تحرير تجاري واسع وعميق في صيف جنيف الحار عام 2008، مع انهيار ما يسمى بـ«جولة الدوحة» بعد سنوات من المحادثات الشائكة. وقد حان الوقت الآن للأعضاء لإحراز تقدم حيثما أمكنهم ذلك.

عموماً، لا يمكن لمنظمة التجارة العالمية، بشكلها الحالي، أن تؤدي جميع الأدوار التي أنشئت من أجلها.

لكن يمكن للاستخدام الإبداعي للآليات المتبقية أن يساعد نظام التجارة العالمي في الحيلولة دون انزلاق بعض بنية القانون إلى فوضى «ترامبية»، حيث لا تعني القواعد شيئاً ويكون الحق فقط للقوة.