الأسواق العالمية لا يمكنها تحمل لعبة تنس الطاولة للرئيس الأمريكي

كاتي مارتن

تمثل الحرب في الشرق الأوسط، بالنسبة للأسواق العالمية، فوضى عارمة. فهي تشتعل، ثم تتوقف، ثم تتحسن، ثم تسوء. وفي النهاية تتعرض جميع فئات الأصول تقريباً في العالم لتقلبات حادة مع كل خبر جديد، في إطار لعبة تنس طاولة جهنمية من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إن هذه الأحداث، بصراحة، مُرهِقة للغاية، بل قد لا يكون هناك أي جدوى من متابعتها، ولكن بمجرد أن تهدأ الفوضى ستترك هذه الحلقة أثراً دائماً على المستثمرين.

لقد تجلى هذا الجنون بوضوح يوم الاثنين الماضي، ففي وقت الإفطار في أوروبا كان من الواضح أن المستثمرين يخشون من أن الصراع المروع بالفعل في منطقة الشرق الأوسط مرشح لتصعيد أكبر، ما سيرفع أسعار الطاقة، ويُلحق ضرراً بالغاً بالسندات الحساسة للتضخم، ويؤثر سلباً على الأسهم.

وبحلول قبل الغداء في ذلك اليوم، وبضغطة زر على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي، قلب دونالد ترامب موازين السوق رأساً على عقب، معلناً إجراء «محادثات مثمرة وجيدة جداً» مع إيران بهدف التوصل إلى حل. ولذلك فقد انخفضت أسعار النفط بنسبة 10% في يوم واحد رغم إصرار إيران على عدم إجراء أي محادثات من هذا القبيل.

وبحلول الأربعاء، ازدهرت «صفقة السلام» على نطاق واسع، مدفوعة بأخبار مفادها أن الولايات المتحدة أرسلت خطة لإنهاء الأعمال العدائية، مع قيام باكستان بدور الوسيط، في الوقت نفسه ترسل واشنطن آلاف الجنود الإضافيين إلى المنطقة. فهل ستنتهي «خطة السلام ذات النقاط الخمس عشرة» هذه إلى مجرد خدعة أخرى؟ ليس لدى المتداولين أي فكرة، لكنهم يعرفون العلامات المألوفة لتراجع ترامب عندما يرونها، وقد استجابت الأسواق وفقاً لذلك.

وهكذا تواصل الأسواق التخبط، عالقة بين مستقبل قريب كارثي محتمل، حيث تُستنزف إمدادات الطاقة العالمية بشكل كبير، وخيار مختلف تماماً يعلن فيه الرئيس الأمريكي النصر وينسحب. وفي كل الأحوال، فإن لهذه النتائج الثنائية تداعيات مختلفة تماماً على الأسواق والاقتصاد العالمي، إذ ليس من المنطقي لأي مستثمر أن يندفع بقوة في أي من الاتجاهين.

لقد أبقى هذا الوضع المتخبط معظم الأسواق في حالة تقلب، مع العمل ضمن نطاقات ضيقة نسبياً. وقد انخفضت الأسهم العالمية بنسبة 6% منذ اندلاع النزاع. ورغم أن هذا يضعها في أضعف نقطة لها منذ نوفمبر، لكنه أمر لا يُعد كارثة، فهو جزء بسيط من الانخفاض الذي شهدناه في أبريل الماضي عندما فاجأ ترامب العالم بتعريفات جمركية ضخمة.

وبالنسبة للمشاركين في السوق المتعاطفين مع سياسات ترامب الاقتصادية، تعد هذه إشارة إلى أنه يجب علينا جميعاً تجاهل ما يسميه المحلل ديفيد زيرفوس من «جيفريز»: «كل هذا الخوف المرتبط بالخروج عن المألوف».

وكتب زيرفوس في مذكرة لعملائه هذا الأسبوع تُلقي بعض الضوء المفيد على كيفية نظر فريق ترامب إلى هذه اللحظة في تاريخ الأسواق المالية: «أعلم أن الأوروبيين يشعرون بالضيق الشديد، كما أن بعض التحركات السيئة في أسواق الدين قصيرة الأجل في المنطقة تسببت في بعض الخسائر الفادحة، لكن بعيداً عن هذه التحركات كان هناك استقرار في الأسواق العالمية أكبر بكثير مما توقعه الكثيرون، هذه حقيقة. وهذا ما يجعلني متفائلاً بأن هذه الأزمة ستمر أيضاً». ويعد زيرفوس محق في إشارته إلى أن الأسواق كانت مستقرة بشكل ملحوظ. ومع ذلك عندما ينتهي هذا الصراع ستكون هناك بعض الدروس المهمة التي يجب تذكرها:

-أولاً: على الرغم من ارتفاع الدولار خلال هذه الأزمة، إلا أنه لم يستعد قوته كاملة. فقد تراجعت مكانته الراسخة كملك العملات بلا منازع منذ عودة ترامب إلى منصبه العام الماضي. وصحيح أنه ارتفع منذ بدء الحرب - وهو صدى لميله التقليدي الموثوق للارتفاع في أوقات الأزمات - لكن المحللين والمستثمرين يتفقون عموماً على أن هذا الارتفاع هذه المرة لم يكن بسبب اندفاع مديري الصناديق نحو الدولار بحثاً عن الأمان. بدلاً من ذلك، كان الأمر يتعلق جزئياً على الأقل بالعودة إلى الوضع المحايد، بعد التراجع والتحوط من مخاطر الدولار في بداية العام - وهو نمط واضح عبر العديد من فئات الأصول.

وفي واقع الأمر، يهدد الصراع في الشرق الأوسط بتقويض الدولار أكثر، ولذلك فقد كتب جورج سارافيلوس، المحلل في دويتشه بنك، في مذكرة هذا الأسبوع: لا ينبغي الاستهانة بالأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة لدور الدولار كعملة احتياط عالمية. وقد يتمثل الإرث طويل الأمد للصراع الجاري بالنسبة للدولار في اختباره لأسس نظام «البترودولار». فإذا ما انكشفت مواطن الضعف أكثر فقد تكون هناك آثار سلبية كبيرة على استخدام الدولار في التجارة العالمية والادخار.

-ثانياً: إن أسواق الأسهم الأمريكية تأثرت بدرجة أقل من غيرها عند تصاعد حدة الصراع، ويعود ذلك إلى استقلال البلاد في مجال الطاقة وبعدها الجغرافي، إلا أن رغبة المستثمرين العالميين في مواصلة تنويع استثماراتهم بعيداً عن الولايات المتحدة على المدى الطويل لا تزال قائمة، لا سيما أولئك الذين يعتقدون، وهو اعتقاد منطقي في رأيي، أن الصراع سيُشكل دفعة قوية للاستثمار الأخضر والمستدام في السنوات المقبلة.

-ثالثا، هناك عودة لضغوط التضخم، ليس فقط في قطاع الطاقة، بل أيضاً في أسعار المواد الغذائية. وإلى جانب الاحتياجات الإضافية الواضحة الآن للإنفاق الحكومي على الدفاع وتعزيز أمن الطاقة، يشير كل هذا إلى ارتفاع أسعار الفائدة أكثر مما كنا نتوقع، وبيئة استثمارية محفوفة بالمخاطر لمن يسعى إلى تحقيق توازن بين الأسهم والسندات.

إن تقلبات الأخبار مربكة، وضجيج السوق صاخب، لكن من الضروري للغاية الاستماع جيداً لهذا الصخب.