جيميما كيلي
لا يكفّ كثيرون عن الحديث حول «علاقة الصداقة» غير المكتملة بين إيلون ماسك ودونالد ترامب، أو تلك العلاقة المتذبذبة التي لا تلبث أن تنقطع حتى تعود مجدداً. ففي لحظة كتابة هذه السطور، كان ترامب قد عاد ليصف ماسك بـ«الصديق»، بعدما كان قد نعته في وقت سابق بـ«المجنون»، وذلك عقب تعبير أغنى رجل في العالم عن «ندمه» على بعض المنشورات غير اللطيفة التي كتبها — ثم حذفها — عن الرئيس الأمريكي على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن اعتبار العلاقة بين الرجلين نوعاً من الصداقة الأخوية يُعدّ تبسيطاً خاطئاً لطبيعة التفاعل بينهما. كما أنها ليست مجرّد «علاقة مصلحة»، رغم أن كلاً منهما استفاد دون شك من هذا التقاطع: ماسك عبر تضاعف ثروته، وترامب من خلال شقّ طريقه مجدداً نحو البيت الأبيض — ليس بفضل ماسك وحده، ولكن بدعم واضح منه على الأقل.
في الحقيقة، نحن أمام علاقة حب حقيقية. فعندما كتب ماسك على منصة «إكس» في فبراير قائلاً: «أحب دونالد ترامب بقدر ما يمكن لرجل مستقيم أن يحب رجلاً آخر»، فقد كان يعني ذلك حرفياً. لكن هذا النوع من الحب لا يشبه ذاك الذي ينشأ عن رفقة حقيقية أو مصالح مشتركة. بل إنه ليس صداقة بالمعنى التقليدي أصلاً، بل علاقة أكثر تعقيداً وبدائية: ترامب في دور الأب، وماسك في دور الطفل الأبدي.
لقد لاحظت منذ وقت طويل كيف يُدلل ترامب ماسك دون أن يبدو عليه الانزعاج، حتى عندما يأتي الرجل الأصغر إلى الاجتماعات الرسمية مرتدياً قبعتين، أو ينشغل في العشاء بموازنة الشوك فوق بعضها البعض. غير أن هذه الفكرة أصبحت أكثر وضوحاً بالنسبة لي أثناء حديث أجريته مؤخراً مع الفنان إيان بروس ضمن مشروعه «علينا أن نتحدث عن إيلون»، وهو بث مباشر استمر لأسبوع كامل، رسم خلاله ثلاث لوحات لماسك بينما أجرى حوارات مع شخصيات متعددة من بينها براين إينو ويانيس فاروفاكيس. في اللوحة الأولى، ظهر والد ماسك، إيرول، واقفاً خلفه وواضعاً يديه على كتفيه؛ أما في الثانية، فقد حل ترامب محل الوالد.
وفقاً لما رواه كاتب سيرته الذاتية والتر آيزاكسون، فإن والد ماسك مسؤول عن جزء كبير من الصدمات التي تعرض لها في صغره، فقد انحاز إلى شخص متنمر كان قد ضربه وأخبره أنه لا قيمة له (علماً أن إيرول نفى هذه الرواية). وأضاف «شعرتُ بأن ماسك يبحث عن شخصية أب جديدة. لذلك، توجه إلى ترامب ليلعب دور «الأب البديل».
أما إيرول، والد ماسك، فقد قلل من شأن الخلاف، قائلاً إن الرجلين القويين سيتصالحان قريباً. وعندما أشار أحد الصحفيين إلى أن ترامب قال إن العلاقة «انتهت»، رد والد ماسك قائلاً: «هذا فقط ما يقوله الناس». لكن لا يتوقع أن يمتلك إيرول فهماً عميقاً لما تعنيه العلاقة الأبوية أصلاً، خصوصاً بعد معاملته القاسية لإيلون في صغره.
لذلك، يملك ماسك سبباً وجيهاً للبحث عن نموذج أبوي بديل. والحقيقة أنه يشترك مع ترامب في نشأته على يد أب متحكم، بارد عاطفياً، وهي سمة يبدو أنها خلقت رابطة لا واعية بينهما، ودفعت كلاً منهما إلى أن يعيش حياته كما لو كان في سباق دائم لإثبات الذات.
وفي حين أن ترامب، البالغ من العمر 79 عاماً، كان قد وجد لنفسه في مرحلة ما نموذجاً أبوياً بديلاً في شخصية المحامي الشهير والمثير للجدل روي كوهن، فإن دوره في علاقته بماسك واضح تماماً. وحسبما تقول خبيرة لغة الجسد جودي جيمس، في وصفها للحظة التي حضر فيها ترامب إطلاق أحد صواريخ ماسك العام الماضي: «كان ترامب في وضعية الأب الذي يحضر اليوم المفتوح في مدرسة ابنه. وقد رفع ذقنه، وضيق عينيه، في وضعية تحمل رسالة مفادها: أبهرني يا بني. أما ماسك، فكان يدور من حوله بحماسة، ليريه كل شيء».
ويمكن ملاحظة هذا النمط من التفاعل بين الرجلين كلما ظهرا معاً، كما حدث حينما قدم الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» بكل فخر للرئيس الأمريكي طراز «موديل إس» الجديد في البيت الأبيض في وقتٍ سابق من هذا العام. عندها عبر ترامب عن إعجابه قائلاً بحماس: «كل شيء يعمل بالحاسوب! هذا رائع، مذهل!»
وعلى الرغم من أن ترامب لا يمانع عادةً في الظهور بمظهر المهرج، إلا أنه غالباً ما يصبح أكثر جدية عندما يكون ماسك حاضراً. وهنا تقول جودي جيمس: «كأن أحدهم لا بد أن يلعب دور الطفل في الغرفة»، مشيرةً إلى أن ترامب يتصرف عادةً بسخافة في وجود ابنه بارون، طويل القامة والبالغ من العمر 19 عاماً «لكن عندما يكون ماسك في الغرفة، يتحول ترامب إلى موقع النضج والمسؤولية».
ولم يكن ترامب في ذلك التصريح الحزين قبل أسبوع -عندما قال: «لستُ حتى أفكر في إيلون»- يتحدث بلسان الصديق الذي جُرح، بل بصوت الأب المخذول. وكذلك لم يكن ماسك حين قال إنه تجاوز الحد في انتقاداته للرئيس، سوى الابن المتذلل الساعي إلى رضا أبيه.
إن العلاقة بين ماسك وترامب ليست صداقة أخوية ولا حتى علاقة استعراضية. بل لعل أقرب وصف لها هو علاقة قائمة على الاحتياج العاطفي.
