توقع إلحاق حرب الشرق الأوسط ضرراً لا يمحى بالاقتصاد العالمي

السيناريوهات التي كانت الأسواق وصناع السياسات يأملون تجنبها تتحقق بالفعل

تتحول الحرب في منطقة الشرق الأوسط تدريجياً إلى كارثة اقتصادية عالمية. وعند اشتعال حرب إيران في 28 فبراير، ساد هدوء واضح الأسواق المالية لاعتقادها بأن الصراع لن يطول. ونتيجة لذلك، تجاهلت هذه الأسواق خطر حدوث اضطراب شديد في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم وغازه الطبيعي المسال.

لكن الحرب في أسبوعها الرابع، ويبدو أن احتمالات خفض التصعيد تتأرجح كل 24 ساعة. وفي الأيام الأخيرة، ألحقت كل من إسرائيل وإيران أضراراً بالغة بمنشآت الغاز الإقليمية الحيوية، لتبرز الآن أسوأ السيناريوهات بالنسبة للمستثمرين وصناع السياسات. ومن حيث الحجم، سيؤدي إغلاق المضيق لفترة طويلة إلى صدمة نفطية أكبر.

ورغم أن الاقتصاد العالمي يعتمد اليوم بشكل أقل على النفط كمصدر للطاقة، إلا أن الوقود لا يزال مهماً في قطاعي النقل والصناعة. وقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 50 % لتتجاوز 100 دولار للبرميل منذ بدء الحرب. ومع تزايد افتراضات التجار والمتداولين بأن إمدادات النفط في المنطقة ستظل محصورة لفترة طويلة، يتوقع المحللون أن يتجاوز السعر 150 دولاراً، وهو مستوى، إذا استمر، سيرفع بوضوح احتمالية حدوث ركود عالمي.

كذلك، فقد أصبح التهديد على إمدادات الغاز العالمية أكثر واقعية خلال الأيام الماضية، حيث أكد مسؤولون قطريون أن الهجمات الإيرانية يوم الأربعاء الماضي قد ألحقت أضراراً تستمر لسنوات بمحطة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال، وهي الأكبر في العالم، والتي كانت قد توقفت عن الإنتاج بالفعل منذ 2 مارس بسبب غارات سابقة بطائرات مسيرة. وشهدت أسعار الغاز ارتفاعاً حاداً في جميع أنحاء أوروبا وآسيا. كما أن انقطاع إمدادات الأسمدة والهيليوم والكبريت في المضيق يُثير قلق الصناعات، من صناعة الرقائق الإلكترونية إلى الزراعة. ويواجه محافظو البنوك المركزية مأزقاً.

من ناحية أخرى، فقد اختار كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، بشكل معقول، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في وقت يجري فيه تقييم الصراع. وكلما طالت فترة ارتفاع أسعار الطاقة، ازداد خطر ترسيخ توقعات التضخم المرتفعة.

ويمكن لارتفاع أسعار الفائدة بالتزامن مع حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي أن تكون له تبعاتٌ أخرى. فقد تواجه أسواق الأسهم تصحيحاً حاداً، ما يؤدي إلى انخفاض المحافظ الاستثمارية التي تتركز بشكل كبير في أسهم شركات التكنولوجيا ذات القيمة العالية. وقد تتعرض الأسواق الخاصة المتضخمة لمزيد من الضغوط. كما قد ترتفع عوائد السندات السيادية تدريجياً، مع دراسة الحكومات لخيارات الدعم الاقتصادي. وهناك بطبيعة الحال تباين في مدى تأثر الاقتصادات العالمية المختلفة بما يحدث في الشرق الأوسط.

وتحولت الدول الأوروبية في الاعتماد على الوقود الأحفوري من روسيا إلى الولايات المتحدة، ويعاني العديد منها من احتياطيات مالية محدودة لحماية الأسر والشركات من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. كما يتعين عليها الآن الدخول في منافسة حادة مع دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وتايوان، التي تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط في النفط والغاز، ولديها احتياطيات محدودة. وتواجه الدول النامية، من جانبها، ضعفاً في تحويلات العاملين في الخارج من الشرق الأوسط ونقصاً في الغذاء.

ورغم أن أمريكا مُصدِّر صافٍ للطاقة، إلا أنها لن تكون بمنأى عن ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما مع تزايد الطلب من مراكز البيانات. وكلما طال أمد الصراع، تفاقمت حالات النقص وارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل التوريد. ولا تستطيع الأسواق والحكومات التكيف بسرعة مع إغلاق مضيق هرمز.

وهكذا، فإنه حتى لو انتهت الحرب بمعجزة قريبة، ستظل هناك تساؤلات مستمرة حول أمن الممر المائي. ومهما كانت النهاية، ستترك عملية «الغضب الملحمي» بصمة لا تُمحى على الاقتصاد العالمي.