تحديد أسعار الفائدة.. الأوضاع أصبحت أكثر تعقيداً والمخاطر أكبر

روبرت أرمسترونغ - كاتي مارتن - هاكيونغ كيم

كان أول من أمس متقلباً للغاية، فقد ارتفع سعر النفط إلى 119 دولاراً مع تزايد المخاوف من هجمات إيرانية على منشآت الطاقة، لكن اليوم انتهى عند سعر 103 دولارات للبرميل. لكن الأكثر إثارة للدهشة ارتفاع أسعار الفائدة في معظم أنحاء العالم.

وفي الولايات المتحدة وأوروبا، أصبح الارتفاع التراكمي منذ بداية الحرب كبيراً جداً بالفعل. وبالنسبة للولايات المتحدة، قد ينظر المرء إلى تحرك سندات الخزانة لأجل عامين، ويقول إن السوق ببساطة استبعدت ما يقرب من خفضين لأسعار الفائدة من تقديراتها بسبب خطر ارتفاع التضخم الناتج عن أسعار النفط، لكن الوضع أكثر تعقيداً من ذلك.

لنتذكر أنه، نظرياً، لا يوجد سبب يدعو البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية في مواجهة صدمة في إمدادات الطاقة، طالما بقيت أسعار السلع غير النفطية مستقرة ولم تتغير توقعات التضخم على المدى الطويل. وفي الواقع سيكون من الغريب القيام بذلك، إذ سيؤدي إلى إضعاف الطلب، في حين أن هذا هو ما تفعله أسعار الطاقة المرتفعة بالفعل.

لكن قد يعتقد محافظو البنوك المركزية أن تشديد السياسة النقدية (أو التهديد به) هو السبيل الوحيد لمنع تضخم الطاقة من التسرب إلى باقي قطاعات الاقتصاد.

وقد تتوقع الأسواق بدورها رد الفعل هذا من البنوك المركزية، فتقوم ببيع السندات استباقياً، وعندها قد تشعر البنوك المركزية بأنه لا خيار أمامها سوى التشديد، خشية خيبة أمل الأسواق والتسبب في المزيد من عمليات البيع. وقد تتوقع الأسواق ذلك أيضاً.

ويمكن أن يتحول هذا التفاعل الفكري بين البنوك المركزية والأسواق سريعاً على حد تعبير الشاعر والمسرحي تي إس إليوت إلى متاهة من المرايا.

ويعتقد كالفن تسيه، من بنك بي إن بي باريبا، أن التحرك الكبير في أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة يعكس توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو «انحياز متماثل»، أي أخذ مخاطر ارتفاع التضخم على محمل الجد بالقدر نفسه لأخذ مخاطر تراجع فرص العمل.

ويضيف تسيه أن أحد المؤشرات الرئيسية كان عدم معارضة محافظ الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، يوم الأربعاء لقرار تثبيت أسعار الفائدة، على عكس ما فعله في اجتماع ديسمبر. لطالما شدّد والر على المخاطر التي تهدد التوظيف، لذا فإن تخليه عن ميله نحو التيسير النقدي يُظهر مدى التغيير القوي الحاصل.

وثمة تفسير آخر أبسط، وهو أن أسواق السندات قد تسرعت في ردود أفعالها وباعت السندات قصيرة الأجل بشكل مفرط. وقد صرح ريك ريدر، من بلاك روك، قائلاً:

«أعتقد أن الأسواق تحركت بشكل مبالغ فيه بناءً على افتراض أن الخطوة التالية قد تكون رفع أسعار الفائدة، وهذه إحدى أكبر صدمات العرض التي شهدناها منذ جيل، لذا كان على الأسواق أن تتفاعل بسرعة، وعندما تتحرك الأسواق بسرعة فإن ردود أفعالها تكون مبالغاً فيها».

في أوروبا والمملكة المتحدة، كان رد الفعل (المبالغ فيه) على الحرب أكثر حدة، فقد رفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم وخفّض توقعاته للنمو، لكن بنك إنجلترا كان له التأثير الأكبر في الأسواق.

وأبقى البنك أسعار الفائدة عند 3.75 %، كما كان متوقعاً، لكن لم يصوّت أي من أعضاء لجنة تحديد أسعار الفائدة لصالح خفضها، وتراجع البنك عن توجيهاته السابقة التي أشارت إلى أن الخطوة التالية في أسعار الفائدة ستكون على الأرجح نحو الانخفاض. وفي وقت ما من يوم أول من أمس، ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل عامين بمقدار 30 نقطة أساس.

لكن مجدداً، إلى أي مدى يلعب بنك إنجلترا لعبة توقعات الأسواق؟ يقول بيدر بيك-فريز، الخبير الاقتصادي في شركة بيمكو، إن لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا من المرجح أنها تتحدث بنبرة متشددة للسيطرة على توقعات التضخم والخطاب العام.

لكن من غير الواضح ما إذا كانت ترغب في رفع أسعار الفائدة فعلياً أم لا، حتى إن المحافظ أندرو بيلي حذر خلال مقابلة بعد الاجتماع من استخلاص استنتاجات قاطعة بشأن رفع بنك إنجلترا لأسعار الفائدة.

وتتجلى غرابة الأوضاع في الزيادة الكبيرة في تقلبات عوائد السندات لأجل عامين حول العالم، لكن لماذا لم تتأثر أسعار الفائدة قصيرة الأجل في اليابان، وهي دولة تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة، بهذا الوضع؟

يعزو دانيال فون أهلين، من شركة «تي إس لومبارد»، ذلك إلى حقيقة أن السندات الحكومية اليابانية كانت مباعة بشكل مفرط قبل الحرب، وأن التضخم الأساسي في اليابان ظل دون المستوى المستهدف، على عكس أوروبا والولايات المتحدة.

وماذا عن أسعار الفائدة طويلة الأجل؟ كان من المتوقع أن يؤدي تفاقم الأزمة الجيوسياسية، واللجوء إلى الملاذات الآمنة، إلى استقرار أسعار الفائدة طويلة الأجل.

صحيح أن ارتفاع توقعات التضخم على المدى القصير يؤثر في منحنى العائد، إلا أنه لا توجد مؤشرات على ارتفاع هذه التوقعات بعد العام أو العامين المقبلين، فلماذا إذن ارتفعت أسعار الفائدة الاسمية والحقيقية لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة؟

قد يكون الأمر مجرد تقلبات عابرة؛ فالتحركات ليست كبيرة. وهنا يشير إد الحسيني، من «كولومبيا ثريدنيدل»، إلى أن عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات كان عند مستواه الحالي حتى الشهر الماضي، لكن هذا الاتجاه يستحق المتابعة.

كما يعتقد كالفن تسيه أن التحرك في أسعار الفائدة طويلة الأجل يعكس القلق من أن توقعات التضخم على المدى الطويل قد تبدأ بالارتفاع بعد أربع صدمات تضخمية متتالية؛ إعادة فتح الاقتصاد بسبب الجائحة، والحرب الروسية - الأوكرانية، والتعريفات الجمركية، والآن حرب إيران.

كانت التحركات الكبيرة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل مقلقة. لكن الأمور ستكون أكثر خطورة بكثير، بالنسبة لجميع أنواع الأصول، إذا حذت أسعار الفائدة طويلة الأجل حذوها.