الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.. لا خيار سوى الانتظار والتساؤل

روبرت أرمسترونغ ــ هاكيونغ كيم

كان الجميع يعلم أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة في اجتماع أول من أمس، فيما كان هناك سؤالان مهمان يُريد العالم إجابةً عنهما: هل لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية مستعدة لتجاهل تضخم أسعار الطاقة الذي أشعلته الحرب الإيرانية؟ وبغض النظر عن الطاقة، ما رأي اللجنة في اتجاه التضخم الأساسي في أعقاب الارتفاع غير المتوقع لمؤشري نفقات الاستهلاك الشخصي ومؤشر أسعار المنتجين؟

في إجابته عن السؤال الأول في المؤتمر الصحفي، ألقى رئيس المجلس، جيروم باول، الضوء على كلا السؤالين في آنٍ واحد بطريقة غير متوقعة. فعندما سُئل عن إمكانية تجاهل أسعار النفط في ظل تضخم أعلى من الهدف لسنوات، انتقل مباشرةً إلى موضوع الرسوم الجمركية، قائلاً: «الأمر المهم حقاً الذي نراه هذا العام هو التقدم المُحرز في مكافحة التضخم من خلال خفض تضخم أسعار السلع، حيث تتلاشى الآثار المؤقتة للرسوم الجمركية على الأسعار في النظام الاقتصادي. أما مسألة تجاهل تضخم أسعار الطاقة فلا تُطرح فعلياً إلا بعد أن نقوم ذلك. من البديهي أن نتجاهل صدمات الطاقة، لكن ذلك يعتمد دائماً على استقرار توقعات التضخم. إذن: نعم، سنتجاهل أسعار النفط إذا استقرت توقعات التضخم على المدى الطويل. لكن هذا لا يعني بالضرورة خفض أسعار الفائدة، لأن تضخم أسعار السلع لم ينخفض كما توقعنا».

لم تنتهِ القصة عند هذا الحد. فقد ضغط صحفيٌ بارع على باول بشأن تضخم الخدمات غير السكنية، الذي لم يكن أداؤه أكثر استقراراً من تضخم أسعار السلع مؤخراً، رغم حساسيته المفترضة لسوق العمل المتراجع. وهنا رد باول قائلاً: «إنه أمرٌ مُحبط. فقد ظل تضخم الخدمات غير السكنية ثابتاً تقريباً لمدة عام. ونتوقع انخفاضه، وهو ضمن مجموعة من العوامل الفردية، لكن في الوقت نفسه، هذا أحد الأمور التي كان ينبغي أن نراها. لأن سوق العمل، كما أشرتم، ليس مصدراً للضغط التضخمي، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للخدمات غير السكنية. وما نرغب برؤيته هذا العام هو انخفاض تضخم أسعار السلع أخيراً بعد زوال الآثار المؤقتة للتعريفات الجمركية، إضافة إلى دعم من الخدمات غير السكنية».

الرسالة الواضحة هي: تتوقع اللجنة إحراز تقدم في اتجاه التضخم الأساسي قريباً، لكن هذا لم يحدث بعد. ولا تزال النسبة المئوية الأخيرة من التضخم فوق الهدف ثابتة. أما بالنسبة لصدمة أسعار النفط، فلا أحد يعلم إن كانت ستكون حادة أو طويلة بما يكفي لزعزعة توقعات التضخم على المدى الطويل، لذا فهي تزيد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات.

وبالنظر إلى الرسم النقطي - الذي يوضح وجهة نظر كل عضو بشأن سياسة سعر الفائدة المناسبة - فإن اللجنة في مأزق. فبالمقارنة مع الرسم البياني الأخير من ديسمبر، تقلص نطاق نتائج السياسة المتوقعة لعام 2026، حيث لم يتوقع أي من الأعضاء زيادة في أسعار الفائدة هذا العام، بينما قلل الأعضاء الأكثر ميلاً إلى التيسير النقدي من عدد التخفيضات المتوقعة.

يُفسر هذا الغموض المتزايد سبب كون ملخص اللجنة للتوقعات الاقتصادية مُشتتاً بعض الشيء. فعلى سبيل المثال، رفعوا توقعاتهم الجماعية للتضخم الأساسي هذا العام، لكنهم أبقوا توقعاتهم بشأن سياسة أسعار الفائدة دون تغيير. أمر غريب! لكن من الطبيعي أن تُقدم أي مجموعة توقعات غير متناسقة عندما تنتظر تغييراً لم يحدث بعد، وسيتأثر بعامل قوي لا يمكنها التنبؤ به.

من ناحية أخرى، فإنه خلال الأسابيع الثلاثة تقريباً من الحرب، شهدت سوق الأسهم تقلبات حادة. وتراجعت معظم فئات الأصول الرئيسية، إلا أن الشركات القليلة التي حققت أداءً متميزاً تنتمي إلى مجموعات كانت الأضعف قبل الحرب.

وللتوضيح، لا ينطبق هذا على جميع الحالات - فالأسواق الخاصة، على سبيل المثال، لا تزال تعاني من ركود قبل الحرب وبعدها. لكن أسهم شركات البرمجيات التي كانت تعاني من ركود كبير قد انتعشت. وفي مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وبغض النظر عن قطاع الطاقة، كانت قطاعات تكنولوجيا المعلومات وخدمات الاتصالات والسلع الاستهلاكية غير الأساسية هي الأكثر مرونة.

ويُعد التباين مع ما حدث عقب اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية في عام 2022 لافتاً للنظر. ففي ذلك الوقت، قاد قطاع التكنولوجيا تراجع السوق بعد اندلاع الحرب. وكان الوضع مختلفاً تماماً: فقد كانت تقييمات شركات التكنولوجيا مرتفعة للغاية في عام 2022، بينما انخفض هذا القطاع، وخاصة قطاع البرمجيات، في وقت سابق من هذا العام، وأصبح ذلك «مثالاً صارخاً على انهيار معنويات السوق»، كما وصفه كيفن جوردون من شركة تشارلز شواب.

ويوضح قائلاً: «من المفارقة، أنه عندما نُشر مقال سيتريني «الذي تنبأ باضطرابات اقتصادية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي»، تزامن ذلك مع تراجع أداء قطاع البرمجيات مقارنةً بمؤشر ستاندرد آند بورز 500. في ذلك الوقت، بدأنا نلاحظ انعكاس ذلك في التدفقات النقدية، حيث اتجه المستثمرون إلى الاستثمار خارج هذا القطاع، ما أدى فعلياً إلى تراجع قطاع التكنولوجيا. بالنسبة لنا، عندما نحلل أي تحرك في السوق، سواء كان ذلك في قطاع صناعي أو قطاع أو مؤشر، فإننا نبحث عن آخر موجة من «البيع القسري»، إن صح التعبير. وهذا ما يهيئ الظروف لانعكاس الاتجاه نحو الأعلى. وهذا ما حدث بالفعل.

وثمة اختلاف رئيسي آخر عن عام 2022 يتمثل في توقعات التضخم على المدى الطويل. ففي ذلك الوقت، أدت الظروف الاقتصادية، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، إلى قفزة في التوقعات. وقد أثر ذلك سلباً على أسهم التكنولوجيا، لأن جزءاً كبيراً من قيمتها (نظرياً) ينبع من التدفقات النقدية في المستقبل البعيد، ما يجعلها حساسة لأسعار الخصم. هذه المرة، ارتفع سعر الفائدة على السندات قصيرة الأجل في الولايات المتحدة استجابةً لارتفاع أسعار النفط، بينما بقي سعر الفائدة على السندات طويلة الأجل ثابتاً. ولم تتغير توقعات التضخم لخمس سنوات، ولا توقعات التضخم المستقبلية لخمس سنوات.

باختصار، هزت صدمة جيوسياسية كبيرة الأسواق والاقتصادات، لا سيما في أوروبا وآسيا، حيث تتسم اقتصاداتهما بمرونة أقل وحساسية أكبر لتكلفة الطاقة المستوردة. وقد أدى ذلك إلى تباطؤ كبير في الارتفاع العالمي، وربما منح المستثمرين نظرة أكثر توازناً تجاه قطاع البرمجيات والتكنولوجيا الأمريكي، حيث ارتفعت تقديرات الأرباح منذ بداية العام رغم المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

لكن إذا انتهت الحرب قريباً - وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً لدى المستثمرين رغم الأخبار الأخيرة - فمن المتوقع حدوث انعكاس في هذا الاتجاه.