إدوارد لوس
بين الحروب، ومشكلات الذكاء الاصطناعي يبدو أن عام 2026 يخبئ للعالم الكثير من المفاجآت، لكن لم يكن من بينها دعوة دونالد ترامب للصين إلى إرسال سفن إلى الشرق الأوسط، حيث يُعدّ طلب الرئيس الأمريكي المساعدة الصينية حدثاً خارج إطار كل التوقعات.
في عصر التنافس بين القوى العظمى، تدعو القوة المهيمنة منافسها الرئيسي لمساعدتها على الخروج من أكثر مناطق العالم قابلية للاشتعال. اقرأ ذلك مرة أخرى. ثم فكّر في أي دافع يمكن أن يغري الصين للقيام بذلك. لماذا تُقاطع عدوك وهو يرتكب خطأ؟
من الواضح أن الصين لا تنوي بالمرة إرسال كاسحات ألغام إلى مضيق هرمز. ومن الطبيعي أن تسعى الصين لتحقيق تفوق دبلوماسي على الولايات المتحدة، لكن اختبار قدرات ترامب أمر مختلف تماماً. وكلما ساءت الأمور بالنسبة لترامب في الشرق الأوسط، زادت رغبته في المخاطرة. ولنتذكر أن غزو جورج دبليو بوش للعراق عام 2003 كان بمثابة مكسب جيوسياسي للصين.
ويمكن أن يكون للوجود العسكري الأمريكي على الأرض في إيران تأثير مماثل على الأقل. ومع ذلك، فإن طلب ترامب من الصين قد يبدو منطقياً. فمع مرور ما يقارب نصف واردات الصين من النفط عبر مضيق هرمز، مقارنة بما لا يكاد يُذكر لأمريكا، فإن شي جين بينغ لديه مصلحة طويلة الأمد في استقرار الشرق الأوسط أكثر من الولايات المتحدة.
كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت جو بايدن إلى الإشادة بالصين لتوسطها في التقارب بين السعودية وإيران عام 2023. كان الأمل حينها أن تنتهي أيام استفادة الصين المجانية من الأمن البحري الأمريكي. ولذلك، بدا ذلك معقولاً آنذاك. أما في الشرق الأوسط اليوم، الذي تعج السماء فيه بالطائرات المسيرة، فإن بكين راضية بلعب دور المراقب، لكنها تخشى أيضاً من كلفة عدم الاستقرار.
ومنذ إعادة انتخابه عام 2024، ضغط ترامب على شي جين بينغ لاستضافة قمة. في أبريل الماضي، شنّ ترامب حرباً اقتصادية على الصين، التي كانت هدفه الأكبر في «يوم التحرير»، حيث بلغت الرسوم الجمركية 145%. وبعد الحظر الذي فرضته الصين على المعادن النادرة، توصّل الطرفان إلى هدنة في أكتوبر الماضي، مما مهّد الطريق أمام شي جين بينغ لدعوة ترامب لزيارة الصين. من وجهة نظر شي، كان هدف القمة هو استقرار العلاقات الأمريكية الصينية. وحتى شنّت الولايات المتحدة هجومها على إيران في 28 فبراير، كانت أهداف ترامب محاطة بالكثير من الغموض. أما الآن، فكل ما يشغل باله هو الخروج من صراع قد ينهي رئاسته. لذلك، يحتاج ترامب إلى كل مساعدة ممكنة، حتى من الصين.
في الوقت نفسه، من الواضح أن ترامب سيكره الآن فكرة الظهور على منصة مع شي جين بينغ بينما لا تزال الحرب مع إيران مستعرة. فصورة أي رئيس أمريكي - ناهيك عن ترامب - وهو يتوجّه إلى المدينة المحرمة متسولاً لهذا المطلب أو ذاك ستبدو صارخة ورهيبة. وفي مقابلة مع فايننشال تايمز يوم الأحد، ألمح ترامب إلى إمكانية تأجيل القمة، التي كان من المقرر عقدها في الفترة من 31 مارس إلى 2 أبريل. وفي يوم الاثنين، أعلن تأجيلها.
وخلال المقابلة، صرّح ترامب بأن مساعدة الصين في الخليج ستكون ضرورية قبل لقائه بشي جين بينغ، أياً كان موعده. وبما أن ترامب يعلم أن احتمالية إرسال الصين قوات إلى أخطر ممر مائي في العالم ضئيلة، فعلينا أن نتساءل عن مبررات تأخير الرئيس الأمريكي للزيارة. وهذا ما يُبقي العالم في حالة ترقب.
من ناحية أخرى، يملك ترامب فرصاً أفضل للحصول على مساعدة من الشركاء بالناتو، بما في ذلك بريطانيا. ومع ذلك، فقد جعل الأمر بالغ الصعوبة على حلفاء أمريكا للموافقة. أولاً، لأنه لم يتم استشارتهم بشأن حرب لم يكن أي منهم لينصح بها. وثانياً، الناتو منظمة دفاع، ما يعني أن أي هجوم على أحد أعضائها يُعتبر هجوماً على جميع الأعضاء.
ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن هجوماً أحادياً يشنّه أحد الأعضاء على طرف ثالث يجب أن ينضم إليه الأعضاء الآخرون، خاصة عندما يرون هذه الحرب غير مبررة. لكن الفرق هو أن ترامب يستطيع إلحاق ضرر حقيقي بأوروبا لرفضها مساعدته. وقد علّق بالفعل العقوبات النفطية على روسيا، مما يُعزز موارد روسيا المالية. هذا، بالإضافة إلى حقيقة أن عدد صواريخ باتريوت المتاحة لأوكرانيا أقل بكثير، تمثل ضربة للأمن الأوروبي.
ولا يكترث ترامب بالأدلة التي تشير إلى أن روسيا تساعد إيران في حربها. وكان قد اعترض على اتفاقية بريطانيا مع موريشيوس بشأن دييغو غارسيا. وكذلك حجب المعلومات الاستخباراتية عن أوكرانيا. وتبقى الصين خصماً عنيداً لم يجد ترامب حلاً له. ففي ظل سيطرة بكين تامة على المعادن النادرة، تجد أمريكا نفسها في وضع غير مواتٍ. لكن المستهلكين الصينيين يكرهون ارتفاع أسعار النفط تماماً كما يكرهه الأمريكيون.
وقبل أن يؤجل ترامب الاجتماع، كانت الصين تُصرّ على انعقاد القمة في موعدها المحدد. لكن ترامب الآن عالق في فخ من صنعه. ومن المعروف أن أسبوعين مدة طويلة في نظر الرئيس الأمريكي، ما يعني أنه يُهيّئ نفسه لحرب طويلة الأمد.
