ارتفاع أسعار النفط يفاقم تأثيرات صدمة الطاقة على الأسواق العالمية

إيان سميث

يؤكد المستثمرون أن الصراع في الشرق الأوسط قد وضع أسعار الطاقة في موقع القيادة للأسواق المالية العالمية، حيث ترسم صدمة النفط خطاً فاصلاً بين الرابحين والخاسرين من ارتفاع التضخم. وأصبحت تداعيات ارتفاع أسعار النفط محوراً رئيساً للتداول في أسواق السندات والعملات والأسهم، حيث يقوم المستثمرون بإعادة تقييم شاملة للاقتصادات والدول الأكثر عرضة لصدمة الطاقة وتلك التي يُرجح أن تستفيد منها.

وسارع المتداولون إلى التخلص من رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة في الاقتصادات التي يُنظر إليها على أنها الأكثر عرضة لموجة تضخمية، متأثرين بتجارب صدمات الطاقة السابقة. وفي خضم ذلك، انتعش الدولار الأمريكي من ركود دام عاماً، حيث يراهن المستثمرون على مرونة الاقتصاد الأمريكي كمنتج للنفط. ويقول جيريمي بيلوسو، الاستراتيجي في شركة بي سي إيه للأبحاث: «أسعار الطاقة عادت إلى موقع القيادة. ومستوى الاضطراب بات عالمياً بوضوح».

مع تحذير وكالة الطاقة الدولية من «أكبر اضطراب في الإمدادات في التاريخ»، اتجه المتداولون إلى أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا عام 2022 عقب اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو إلى صدمة النفط التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، بحثاً عن أسوأ سيناريو محتمل للتأثيرات الاقتصادية للحرب.

وقد أدت التقلبات القياسية في أسعار النفط إلى تقلبات حادة في تداول السندات الحكومية، حيث يعيد السوق تقييم مسار التضخم وأسعار الفائدة مع كل ارتفاع وانخفاض في أسعار خام برنت. وكانت عملات التصدير، مثل الدولار الأسترالي، من بين العملات الرابحة في أسواق العملات، بينما عانت الدول المستوردة، مثل كوريا الجنوبية، من تراجع حاد في الأسواق. وقال أندرو شيتس، الرئيس العالمي لأبحاث الدخل الثابت في مورغان ستانلي: «يهيمن النفط على المشهد قصير الأجل. إنه بالغ الأهمية، ونطاق النتائج واسع للغاية».

وفي أسواق الدين الحكومي، تحملت السندات قصيرة الأجل العبء الأكبر، حيث تحول السوق إلى استبعاد خفض أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية العالمية وسط مخاوف التضخم. وكان هذا الأمر أكثر حدةً بالنسبة للدول التي تعاني أصلاً من تحديات التضخم.

ويُنظر الآن إلى بنك إنجلترا - الذي يواجه تضخماً بلغ 3 % بالفعل، فضلاً عن المخاوف بشأن تأثر المملكة المتحدة بارتفاع أسعار الغاز - على أنه الأكثر ترجيحاً لرفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، مقارنةً بخفضين بمقدار ربع نقطة مئوية كانا متوقعين قبل اندلاع الحرب وتوسعها.

ومن المتوقع الآن أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرة أو مرتين. ويقول جيف يو، كبير استراتيجيي أسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في بنك نيويورك: «إذا كنت قلقاً بشأن التضخم، فإن الأمر يتعلق بمن سيخسر هذا السباق نحو القاع».

وتُعتبر الولايات المتحدة رابحة نسبياً حتى الآن. فقد انتعش الدولار، الذي انخفض إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات في وقت سابق من هذا العام مع تفاقم المخاوف بشأن السياسات الاقتصادية والتجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب أزمة غرينلاند.

وعلى الرغم من تأثير توقعات ارتفاع أسعار الفائدة، انخفض اليورو بنحو 3 % مقابل الدولار منذ بدء النزاع، ليعود إلى ما دون 1.15 دولار، ويتجه نحو تسجيل أحد أسوأ شهوره في السنوات الأخيرة، حيث يشعر المستثمرون بالقلق إزاء تأثير ارتفاع أسعار النفط والغاز على النمو.

وشهدت «انعكاسات المخاطر» المتعلقة بسعر صرف اليورو مقابل الدولار، والتي تُظهر التكلفة النسبية لرهانات الخيارات على هذا الزوج من العملات، تحولاً هذا الأسبوع نحو أعلى مستوى من التفاؤل بشأن الدولار منذ ما قبل إعلان تعريفات «يوم التحرير» العام الماضي، والذي أثار مخاوف بشأن السياسة الأمريكية.

وقد انعكست استراتيجيات التداول الشائعة، مثل بيع الدولار على المكشوف أو ما يُسمى بـ«مُحسِّنات العائد» في سوق السندات - حيث يراهن المستثمرون على تفوق أداء الديون قصيرة الأجل على السندات طويلة الأجل - في تراجع حاد، مما أدى إلى تكبد بعض صناديق التحوط الكلية خسائر فادحة.

انخفضت جميع العملات الرئيسية مقابل الدولار منذ بدء الحرب، لكن أسوأها أداءً كانت الراند الجنوب أفريقي والوون الكوري الجنوبي، وهما عملتا اقتصادين من أكثر الاقتصادات اعتماداً على واردات الطاقة، حيث انخفضت قيمتهما بأكثر من 5 % و3 % على التوالي.

وتواجه الأسواق الناشئة «ضربة مزدوجة» بسبب ارتفاع أسعار النفط وقوة الدولار، مما «يؤثر على الميزانيات المالية، ويضعف الحسابات الجارية، ويوقف المزيد من خفض أسعار الفائدة»، بحسب منصور محيي الدين، كبير الاقتصاديين في بنك سنغافورة.

وأفاد محللو بنك أوف أمريكا بأن علاوة مخاطر الخيارات في تداول الراند الجنوب أفريقي مقابل الدولار - التكلفة الإضافية التي يرغب المستثمرون في دفعها للتأمين ضد انخفاض قيمة الراند - قد فاقت حتى تلك المتعلقة بالنفط الخام. وفي المقابل، يُعد الدولار الكندي والأسترالي من بين أفضل العملات الرئيسية أداءً إلى جانب الدولار الأمريكي، مدعومين بمكانتهما كمصدرين للسلع الأساسية ورهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة.

كما بدأت المخاوف النفطية في إعادة ترتيب أسواق الأسهم أيضاً، حيث تخلت الأسهم الأوروبية والآسيوية عن جزء كبير من أدائها المتميز هذا العام مقابل الدولار الأمريكي، مع عودة المستثمرين إلى أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى وابتعادهم عن القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وفي الوقت الذي يدرس فيه السياسيون في الاقتصادات المتقدمة والناشئة دعم الغذاء والوقود سعياً لتجنب أزمة غلاء المعيشة، يحذر مديرو صناديق السندات من أن هذا سيؤدي إلى تفاقم الأزمة في سوق السندات السيادية.

كما يحذرون من أن الإجراءات المتخذة لاستيعاب الأثر على الجمهور - حيث تُجري المملكة المتحدة مراجعة مستمرة لزيادة ضريبة الوقود، بينما يدرس الاتحاد الأوروبي دعم فواتير الغاز - ستُعيد إشعال المخاوف بشأن الإنفاق وإصدار الديون. وقد ارتفعت تكلفة الاقتراض في المملكة المتحدة لأجل 30 عاماً إلى أكثر من 5.4 % خلال الأيام القليلة الماضية، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ أكتوبر.

وقال مايك ريدل، مدير الصناديق الاستثمارية في شركة فيديليتي إنترناشونال: «كانت المرحلة الأولى من انخفاض أسعار الفائدة هي إلغاء التخفيضات التي تم تسعيرها مسبقاً. ونتوقع أن تكون المرحلة التالية هي ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، لأنه كلما ارتفعت أسعار الطاقة، زادت التكلفة».