لماذا يجب القلق بشأن التضخم عند التقاعد؟

مويرا أونيل

كانت سبل التغلب على التضخم عند التقاعد هي الشاغل الأبرز في ندوة إلكترونية حول شؤون المعاشات التقاعدية أدرتها مؤخراً، وهو قلق في محلّه تماماً، فجميع المتقاعدين بحاجة إلى الحفاظ على القوة الشرائية لمدخراتهم التي جمعوها بجهد، في وقتٍ تبرز فيه الضغوط التضخمية.

ويصف دوغ برودي، مؤسس شركة «تشانسري لاين» للتخطيط التقاعدي، التضخم بأنه «أكبر خطر منفرد» يهدد المعاشات التقاعدية. وتشير بيانات جديدة صادرة عن «رابطة المعاشات التقاعدية والادخار مدى الحياة» بالمملكة المتحدة إلى ارتفاع طفيف في تقديرات تكلفة مستويات المعيشة التقاعدية «المعتدلة» و«المريحة»، لتتراوح بين 31,700 و43,900 جنيه إسترليني. و

هي تقديرات تقريبية لتكلفة نمط حياة تقاعدي يشمل إجازات مناسبة وكثرة تناول الطعام خارج المنزل. لذلك، فإن هذا التطور يثير القلق لدى كل من يطمح إلى تقاعد مريح.

من جانبه، يشير كيفن براون، المتخصص في شؤون الادخار لدى «سكوتش فرندلي»، إلى أن أحدث بيانات التضخم لا تزال تُظهر ارتفاع الأسعار بمعدلات تفوق هدف بنك إنجلترا البالغ 2% كما أن آفاق النصف الثاني من عام 2025 لا تزال ضبابية.

وقد سجل مؤشر أسعار المستهلك في المملكة المتحدة لشهر أبريل، وهو أحدث رقم منشور، زيادة بنسبة 3.5% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وهو أعلى معدل يتم تسجيله منذ 15 شهراً.

وبحسب تحليل صادر عن شركة «فيديليتي إنترناشونال»، فإن قوة الشراء لمحفظة تقاعدية بقيمة مليون جنيه إسترليني ستتآكل لتبلغ 820000 جنيه خلال عشر سنوات إذا بلغ التضخم 2%. أما إذا استمر التضخم عند 4%، فإن القيمة الحقيقية للمحفظة نفسها ستتراجع إلى 660000 جنيه فقط.

ويلفت الخبراء إلى أن فترات التقاعد التي قد تمتد إلى 30 عاماً من الطبيعي أن تشهد طفرات تضخمية. ويستحضر من هم في الستينيات من العمر فما فوق تجربة سبعينيات القرن الماضي، حين بلغ معدل التضخم السنوي ذروته عند 24%. ومع ذلك، يؤكد مات كونرادي، نائب الرئيس التنفيذي لشركة «نت ويلث»، أن التضخم غالباً ما يُساء فهمه من قبل العامة.

ويقول كونرادي: «كثير من المتقاعدين إما أن يقللوا من تأثير التضخم على المدى الطويل، أو يبالغوا في رد فعلهم بناءً على فترات حديثة شهدت ارتفاعاً حاداً في التضخم. وهذا قد يؤدي إلى قرارات مالية سيئة». لكن، وفقاً لخبراء الاستثمار، هناك جملة من النقاط التي ينبغي للمدخرين للتقاعد أخذها بعين الاعتبار لحماية أنفسهم من شبح التضخم.

أولى هذه النقاط، عدم الاطمئنان التام إلى أن «الضمان الثلاثي» لمعاش الدولة في بريطانيا سيؤمن لهم الحماية في السنوات المتقدمة من العمر. فهذا النظام - المعمول به منذ عام 2011 - يضمن زيادة المعاش التقاعدي الحكومي سنوياً بنسبة لا تقل عن 2.5%، أو بمعدل التضخم السنوي، أو بمعدل نمو الأجور، أيها أعلى.

ويتوقع كثير من الخبراء أن يُستبدل هذا الضمان الثلاثي إما بربط بسيط بمعدل التضخم فقط، أو بضمان مزدوج يشمل الأجور والتضخم معاً، إذ إن العوامل الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر المتوقع جعلا النظام الحالي مكلفاً على نحو متزايد.

وينصح المستشارون الماليون المدخرين بمراجعة حجم مدخراتهم النقدية، والتي غالباً ما تفشل في مواكبة التضخم. ويوصي المستشارون الماليون مدخري المعاشات التقاعدية بالبحث عن مزيج يجمع بين دخل مضمون - يُفضل أن يكون مرتبطاً بمعدلات التضخم - وبين محفظة مرنة من أصول السحب مصممة لتحقيق نمو على المدى الطويل.

وفي ما يتعلق بالجزء المضمون من الدخل، فإن كثيرين يفضلون شراء معاش تقاعدي سنوي. ويقول ويليام بروز، المستشار المالي ومؤسس «مشروع المعاش السنوي»، إن مدفوعات المعاشات التقاعدية المرتبطة بالتضخم تبدأ عادة بأقل بنسبة تتراوح بين 30 و35% مقارنة بالمعاشات السنوية الثابتة التي تدفع نفس المبلغ طوال فترة سريانها.
ويُرجع بروز هذا الفارق إلى سبب بسيط: معظم الناس يفضلون المعاشات الثابتة على المرتبطة بالتضخم.

ويوضح: «الناس، في العموم، يقدرون المال الذي يحصلون عليه الآن أكثر من المال الذي قد يحصلون عليه مستقبلاً». لكن دوغ برودي من شركة «تشانسري لين» يُنبه إلى أن أي تغيير في معدلات الضرائب قد تُجريه حكومة مستقبلية قد يضع أصحاب المعاشات الثابتة في موقف صعب، ويجعلهم عرضة لتآكل دخلهم بفعل الضرائب والتضخم.

وبالنسبة لأصحاب المعاشات الكبيرة، فإنه يمكنهم تقسيم مشترياتهم بين معاشات ثابتة وأخرى مرتبطة بالتضخم. كما يمكنهم توزيع عملية شراء المعاش السنوي الثابت على مدى فترة من خمس إلى عشر سنوات.

ويُتاح لهم أيضاً توزيع الشراء على مراحل عند التقاعد، كأن يستخدموا جزءاً من أموال تقاعدهم لشراء معاش سنوي، ثم يستعينوا بمبلغ الإعفاء الضريبي النقدي لتعزيزه لبضع سنوات، ثم يعودوا لاحقاً لشراء معاش آخر أعلى، والحصول على دفعة جديدة من النقد المعفى من الضرائب. ومع ذلك، يفضل بعض المستشارين الماليين شراء السندات الحكومية البريطانية بشكل مباشر.

ويميل برودي إلى توفير نفس مستوى الدخل الذي يتيحه المعاش السنوي لعملائه من خلال شراء مزيج من عشرة سندات حكومية بريطانية مختلفة توزع تواريخ استحقاقها على فترات متباينة. وتتميز هذه المقاربة بأنها تجنب تآكل رأس المال الذي يحدث فوراً عند شراء معاش سنوي.

وفي ما يخص الجزء المتبقي من المعاش الذي يُستثمر ضمن آلية السحب التدريجي لا يزال معظم المستشارين يوصون بالاحتفاظ بأسهم، رغم أن الفترات الأخيرة - مثل عام 2022 - تزامن فيها تراجع الأسواق مع ارتفاع معدلات التضخم. ويظهر التاريخ أن أسواق الأسهم توفر بعض الحماية من التضخم، ولا سيما للشركات التي تستطيع تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين.

ومع ذلك، يؤكد المستشارون أهمية طبيعة التعرض للأسهم، مفضلين عموماً الأسهم التي توزع أرباحاً أو الصناديق الاستثمارية المُغلقة. ويقول برودي إن أبحاثه تُظهر أن أداء الصناديق الاستثمارية المغلقة يفوق أداء الأسهم التي توزع أرباحاً.

وتُفضل شركة «تايدواي ويلث» للخدمات الاستشارية المالية الاستثمارات الأعلى عائداً والأقل تقلباً، مثل سندات الشركات البريطانية التي توفر حالياً عوائد بنحو 6%، والسندات ذات العائد المرتفع في المملكة المتحدة التي تحقق بين 7 و8%.

وبالنسبة للذهب -الذي يُعد تقليدياً وسيلة تحوّط من التضخم - فالصورة أقل وضوحاً. إذ يراه بعض الخبراء وسيلة غير موثوق بها أو حتى أداة مضاربية لا تدر دخلاً. ويرى جيمس باكستر، مؤسس «تايدواي ويلث»، أن الأسعار الحالية المرتفعة للذهب تجعله خياراً عالي المخاطر.