مع بدء الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها الثالث، بات على الشركات التفكير بشكل متزايد في التساؤل: «كيف يبدو الفشل؟ وما الذي قد نحتاج إلى تغييره نتيجة لهذا الصراع؟».
منذ أن اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022، اعتادت مجالس إدارة الشركات على أخذ المخاطر الجيواقتصادية في الحسبان عند اتخاذ قراراتها.
وفي أواخر عام 2023، حذر سكرتير مجلس الوزراء البريطاني السابق، اللورد مارك سيدويل، من «المخاطر المُركبة»، حيث تؤدي أحداث متنوعة، تبدو غير مترابطة، إلى أزمة خطيرة متعددة الأوجه.
ويجسد الصراع الإيراني بعنف عدداً من هذه المخاطر، بما في ذلك تقلبات السوق، واضطراب سلاسل التوريد، وضغوط التضخم، والأمن المادي للأفراد والبنية التحتية.
وسواء أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النصر أم لا، فإن مساعي إيران لعرقلة تدفق النفط الخام ومشتقاته عبر الخليج بدأت تؤثر بالفعل على أسعار الوقود، وتكلفة الكبريت وحمض الكبريتيك، وإمدادات الهيليوم.
وقد تزعزع هذه التداعيات استقرار الشركات في قطاعات تتراوح بين الأسمدة، التي تمر مكوناتها الرئيسية عبر مضيق هرمز، وقطاع الصناعات الزراعية الذي يستخدمها، وصولاً إلى أشباه الموصلات، التي تُصنع باستخدام حمض الكبريتيك والهيليوم والبروم.
كذلك سيتأثر قطاع السياحة، حيث يؤجل المسافرون القلقون رحلاتهم أو يغيرون مسارها، كما هددت إيران باستهداف البنوك الأمريكية والإسرائيلية بعد استهداف إحدى مؤسساتها المالية.
وتسارع الشركات في المناطق المستهدفة من إيران إلى شراء تأمين ضد العنف السياسي، الذي كان يُعتبر في السابق خياراً إضافياً، ولكنه أصبح الآن ضرورة ملحة.
وقد يجادل الرؤساء التنفيذيون بأنهم مروا بتجارب مماثلة من قبل وخرجوا منها سالمين إلى حد كبير، فليست كل الأزمات ذات تأثير اقتصادي عالمي دائم، وأحياناً قد يؤدي رد الفعل المتسرع من جانب الشركات إلى تفاقم حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار بدلاً من التخفيف منها.
وقد كان للجائحة تأثير متقلب على سلاسل التوريد، حيث أدت أولاً إلى إغلاقها ثم إعادة فتحها في انتعاش غير متوقع للطلب، وقد وجدت الشركات سبيلاً للخروج من هذه الأزمة.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة فاينانشال تايمز أخيراً، عارض زوبين كاركاريا، الرئيس التنفيذي لشركة «في إف إس جلوبال» التي تتخذ من دبي مقراً لها، وهي أكبر جهة مانحة للتأشيرات في العالم، التغييرات الاستراتيجية المتسرعة، قائلاً: «للجيوسياسة تأثير، ولكنه تأثير مؤقت».
لكن احتمال استمرار الاضطرابات الناجمة عن الحرب وتداعياتها سيدفع الشركات مجدداً إلى الاحتفاظ بمخزون أكبر تحسباً لأي طارئ، بدلاً من اتباع نهج الإنتاج في الوقت المناسب. وسيؤدي ذلك إلى تكاليف إضافية ويزيد من خطر الركود التضخمي، الأمر الذي سيتطلب بدوره تعديلاً استراتيجياً من جانب الشركات.
ومن المؤكد أن استمرار عدم الاستقرار في المنطقة سيؤدي إلى إعادة تقييم خطط الاستثمار قصيرة ومتوسطة الأجل.
ويعتقد المحللون بالفعل أن الشركات ستضطر إلى النظر في تغيير دائم في كيفية ومكان وشكل مصادر الطاقة التي تستخدمها في عملياتها.
وقد لا تكون جميع العواقب وخيمة، فقد أدت صدمات النفط السابقة إلى تغييرات هيكلية واستراتيجية، بعضها إيجابي. وتحولت الدول التي كانت تعتمد على النفط عن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
كما شجع ذلك أوروبا ومناطق أخرى على ترشيد استهلاك الطاقة. وأصبحت السيارات أصغر حجماً وأكثر اقتصادية - وأكثر صداقة للبيئة.
وابتكرت الأسواق المالية أدوات تُمكّن الشركات من التحوط ضد تقلبات السوق. وتتعلم مجالس الإدارة استخدام السيناريوهات للتخطيط لمستقبل غير متوقع.
عموماً تميل مجالس الإدارات إلى اتباع قاعدة تجنب التغييرات المتسرعة في الاستراتيجية، وهذا أمر حكيم، ولكن بالنظر إلى الضرر الكبير الذي حدث حتى في الأسابيع الأولى من هذا الصراع، وعدم وجود مخرج سهل للمتحاربين، ينبغي على الجميع أن يتساءلوا عما إذا كانت هذه الأزمة ستكون استثناءً نادراً.
