ديفيد باخ
ينظر كثيرون إلى أوروبا باعتبارها مركزاً اقتصادياً ولت أيام مجده، وطغى عليه التقدم الأمريكي المطرد والصعود الملفت للصين. ويستشهد هؤلاء في هذا السياق بانكماش حصة أوروبا من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
والقيود التنظيمية المفرطة، وتباطؤ الاستثمار، باعتبارها دلائل واضحة على «أزمة في القدرة على المنافسة». لكن هذه السردية تحجب حقيقة مهمة، وهي أن أوروبا تزخر بإمكانات غير مستغلة، وإن أحسنت القارة تسخيرها بالكامل، فقد تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي بشكل جذري.
وتكمن نقاط قوة أوروبا في التنافسية، والموهبة، والابتكار، والاستدامة، والتي يمكن أن تحول مسار القارة تماماً، خصوصاً إن تم إطلاق سوق موحد لرأس المال.
وفي حين يركز كثيرون على التحديات التي تواجه الاقتصادات الكبرى في أوروبا، إلا أن الدول الأصغر، مثل الدنمارك وفنلندا وهولندا وسويسرا، هي التي تبرز ما يمكن فعله.
وبحسب تصنيف التنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتطوير الإداري (إي إم دي)، يتفوق أداء هذه البلدان بصورة مستمرة على نظرائها عالمياً، ما يبرز محاسن الالتزام القوي برعاية المواهب ورأس المال البشري من خلال التنقل العابر للحدود والتعليم.
وبينما يدرس 1% من الطلاب الأمريكيين و2% من الصينيين في الخارج، فإن 15% من الطلاب الأوروبيين يفعلون ذلك. ويعزز هذا التركيز على التعليم العالمي وجود قوى عاملة أكثر ترابطاً، ما يجسد روح التكامل الضرورية للنجاح المستقبلي.
وفي الحقيقة، فقد ارتفع عدد مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في دولة من الدول الأعضاء الأخرى بنسبة 60% على مدى العقدين المنصرمين، ما يبرهن على التزام أوروبا بترسيخ مواطنة عالمية حقيقية.
وتأثير ذلك واضح على أعلى مستويات الأعمال. فنصف الرؤساء التنفيذيين لأكبر 20 شركة، من غير مواطني البلد الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للشركة، مقابل 20% في الولايات المتحدة، ولا شيء في الصين. وتجعل هذه القيادة المتنوعة أوروبا في وضع فريد يمكنها من التعامل مع التعقيدات الجيوسياسية التي نعيشها اليوم.
كما تقدم ريادة أوروبا في تحول الطاقة مساراً للازدهار. فهي تتقدم على بقية العالم بتوليد نحو 40% من طاقتها من مصادر متجددة، متجاوزة الصين والولايات المتحدة، اللتين تولدان 30% و21% على الترتيب.
ويظل الدعم الجماهيري للاستثمارات الخضراء راسخاً، وتجابهه انقسامات حزبية أقل، ما يقلل خطر التحولات السياسية الجذرية بعد الانتخابات. واللافت تسارع جهود أوروبا لتصبح أول قارة خالية من الانبعاثات خاصة بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
كما يعد الذكاء الاصطناعي ميداناً آخر يمكن لأوروبا أن تثبت حضورها فيه بقوة. ورغم شيوع انطباع أن أوروبا تركز على تنظيم التكنولوجيا بينما الولايات المتحدة والصين تهتمان بالابتكار، إلا أن النهج الأوروبي المدروس، الذي يمثله قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، قد يرسي معياراً عالمياً.
كما تشكل القواعد المتعلقة بخصوصية البيانات سابقة في هذا المجال. وقد انتقدت شركات التكنولوجيا الأمريكية القواعد الصارمة التي تفرضها أوروبا، لكن هذه المعايير الشاملة لخصوصية البيانات تحمي ثلاثة أرباع سكان العالم في الوقت الراهن.
ولم تعرقل هذه القواعد الصارمة الشركات الأوروبية. فهل يمكن لأوروبا أن تفعل الشيء نفسه في ترسيخ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي عالمياً؟
يظهر لنا التاريخ أن أوروبا لم يكن يلقى لها أحد بالاً قبل أن يسطع نجمها من جديد، وكثيراً ما يحدث ذلك عندما لا يكون الأمر متوقعاً. وبرز ذلك في تنفيذ القانون الأوروبي الموحد عام 1986، الذي أطلق العنان لنشوء السوق الموحدة استجابة لتنامي المنافسة من الولايات المتحدة واليابان.
وبالمثل، فقد أظهر استحداث اليورو وتعافي المنطقة من الأزمة المالية العالمية روحاً أوروبية مرنة. واليوم، تقف أوروبا عند نقطة تحول أخرى، في عالم طرأت عليه توترات جيوسياسية متغيرة وازدادت فيه عدم القدرة على التنبؤ بالتحركات الأمريكية.
إذن، كيف يمكن لأوروبا اغتنام هذه الفرصة؟ يمكن أن يكون ذلك عن طريق الاستفادة من اقتصاداتها التنافسية الأصغر، وعبر تبني نهج شامل ومتكامل نحو الاستدامة والذكاء الاصطناعي، وتحقيق أكبر استفادة من ريادتها العالمية في المواهب.
وقدم ماريو دراغي كثيراً من التوصيات بشأن مستقبل التنافسية الأوروبية، تشمل استثمارات طموحة تبلغ 800 مليار يورو. ومع ذلك، فإن الخطوة الأهم في ذلك الصدد قد تكون بسيطة على نحو قد يكون مخادعاً، وهي سوق أوروبية موحدة لرأس المال.
إن ما يميز الشركات الأمريكية والصينية عن نظيراتها الأوروبية هو سهولة الوصول إلى رأس المال، الذي يمكنها من تعزيز الابتكار وتوسيع نطاق الأسواق. وفي هذا الصدد، تخاطر أوروبا بعدم استغلال إمكاناتها من دون تكامل مالي أكبر. ومن شأن تأسيس سوق أوروبية متكاملة لرأس المال تسهيل الوصول إلى التمويل.
وكذلك تمكين الشركات المبتكرة في ربوع القارة، ما سيمكنهم من التوسع والتنافس بكفاءة على الصعيد العالمي.ومنافع سوق رأس المال الموحدة كثيرة، إذ بإمكانها تسهيل الاستثمارات العابرة للحدود، وتعزيز السيولة، وخفض التكاليف، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد. وبترسيخ بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار، ستتمكن أوروبا من دعم شركاتها المحلية واجتذاب استثمارات أجنبية لدفع عجلة نموها.
علاوة على ذلك، من شأن تعزيز الوصول إلى رأس المال تمكين الشركات الناشئة الأوروبية والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم من الازدهار، ما سيطلق العنان للابتكار في قطاعات مثل الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الرقمية، والتصنيع المتقدم. وسيؤدي هذا بدوره إلى تعزيز مكانة القارة باعتبارها رائدة عالمية في مجالي الاستدامة والتكنولوجيا.
رئيس كلية إدارة الأعمال في المعهد الدولي للتطوير الإداري «إي إم دي» بسويسرا
