مخاطر ترك قيادة الاقتصاد العالمي لـ«أمريكا ترامب»

آلان بيتي

كل خطوة بمجال الجغرافيا الاقتصادية تتخذها إدارة ترامب تكاد تصرخ في وجه شركائها التجاريين بضرورة «التنويع والتحصين»

أتساءل كيف يشعر ناريندرا مودي الآن؟! فخلال الشهر الماضي، اضطر رئيس الوزراء الهندي إلى الموافقة على مسودة اتفاقية تجارية مع دونالد ترامب، مع وعد مبهم بأن تتوقف الهند عن شراء النفط الروسي الرخيص وتستورد الوقود الأحفوري من الولايات المتحدة بدلاً من ذلك. الآن، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد القصف الأمريكي على إيران، أصبح الحافز أقوى كثيراً من أي وقت مضى لدى مودي للتراجع عن هذا الوعد، وتنويع اقتصاده بالكامل بعيداً عن المحروقات، وتقليل اعتماده التجاري والاقتصادي على الولايات المتحدة.

إن الأثر المباشر للهجمات الإيرانية من حيث ارتفاع أسعار النفط واضح، على الرغم من أن الضرر الاقتصادي الأوسع قد لا يكون كارثياً. ومع ذلك، فإن التآكل الإضافي للريادة الجيواقتصادية الأمريكية كبير. بالنسبة للحكومات خارج الولايات المتحدة والصين، ولا سيما الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فإن عروض القوى الاقتصادية المتنافسة باتت على النحو الآتي:

الولايات المتحدة تُجبر هذه الدول على إبرام اتفاقيات تجارية تعد بمستقبل يعتمد على حرق الوقود الأحفوري الذي يخضع سعره لتقلبات أمريكية مدمرة. أما الصين فتُقدم سيارات كهربائية رخيصة وموثوقة وتقنيات خضراء لتوليد الطاقة المتجددة. صحيح أن هذا يأتي مصحوباً بأشكال أخرى من الضغط الاقتصادي، مثل فرض قيود على المعادن الأرضية النادرة، لكنها على الأقل لا تُسبب صدمات قوية للنمو.

مهما كانت الخطوة الآتية التي يتخذها ترامب، فإنه ما لم يبدأ فعلياً بقصف وتدمير مزارع الطاقة الشمسية بشكل شامل، فمن غير المرجح أن يُهدد ما يقوم به نموذج التنمية القائم على الطاقة المتجددة.

وقد خفضت وكالة الطاقة الدولية العام الماضي بالفعل توقعاتها لنمو الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة بنحو 50% بسبب إلغاء ترامب الحوافز الضريبية وعرقلة مشاريع طاقة الرياح الجديدة، لكنها في الوقت نفسه رفعت توقعاتها للهند بنحو 10%، مشيرةً إلى زيادة قدرة توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية على اليابسة.

ولعقود طويلة، كانت الولايات المتحدة مستورداً صافياً للنفط في اقتصاد عالمي قائم على الوقود الأحفوري، ولذلك كانت حريصة على ضمان استقرار الإمدادات من الشرق الأوسط. وقد أعقبت عقيدة جيمي كارتر عام 1980، التي تدعو إلى الحفاظ على علاقات ودية للولايات المتحدة في الخليج، الحرب الأولى على العراق بعد عقد من الزمن. وفي المقابل، فإن وعد ترامب هذا الأسبوع بتأمين ومرافقة ناقلات النفط في الخليج ليس إلا حلاً مؤقتاً. وكان من المفترض أن يوفر استغلال النفط الصخري المحلي، الذي حوّل الولايات المتحدة إلى مُصدِّر صافٍ بحلول عام 2019، بالإضافة إلى التحسينات الهائلة في تكنولوجيا الطاقة المتجددة، حمايةً لها من صدمات أسعار النفط وراحة من الاستعداد الأمني الدائم في منطقة الخليج.

بدلاً من ذلك، فقد أدار ترامب ظهره لثورة التكنولوجيا الخضراء، في حين يُهدد سوق النفط العالمي بهجمات، أولاً على فنزويلا، والآن على إيران. وفي الحالة الأخيرة تحديداً، يبدو أن الإدارة نفسها عاجزة عن فهم ما تسعى إلى تحقيقه. كما تُجسد إيران، أكثر من أي دولة أخرى تقريباً، قدرة الولايات المتحدة على إلحاق الضرر الاقتصادي بأي دولة عبر طرق أخرى. فقد استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة سيطرتها على القطاع المصرفي ونظام المدفوعات الدولارية العالمي لعزل الاقتصاد الإيراني وإضعافه.

وقد كشف الاتحاد الأوروبي عن قوة هذا النوع من الإكراه الأمريكي بمحاولته الفاشلة لتجاوز القيود التي فرضتها واشنطن على التجارة. إذ استاء الاتحاد الأوروبي من سياسة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عن بُعد، فأقرّ «لائحة حظر» تهدف إلى منع شركات الاتحاد الأوروبي من الامتثال للقيود الأمريكية خارج حدودها، وأنشأ نظام مقايضة للالتفاف على العقوبات. لكن محاولته باءت في النهاية بالفشل.

وقلما تشفق الحكومات على النظام الإيراني، لكنها تدرك كيف تستغل الولايات المتحدة نظام الدولار سلاحاً لمعاقبة الدول التي لا تروق لها. وحتى الآن، لا يزال الحديث عن بدائل للدولار الأمريكي كعملة دولية للمدفوعات وتمويل البنوك مجرد طموحات، لكن كلما زاد استخدام الدولار كأداة إكراه، زادت رغبة الدول الأخرى في البحث عن بدائل.

إن كل خطوة تتخذها إدارة ترامب في مجال الجغرافيا الاقتصادية تصرخ في وجه شركائها التجاريين بضرورة «التنويع والتحصين». وفي توقيتٍ مثالي، بدأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هذا الأسبوع جولةً تهدف إلى بناء «تحالف قوى متوسطة» بعد أن كان قد وضع في خطابه في دافوس في يناير الماضي تصوراً لعالم بلا الولايات المتحدة كقائدة موثوقة. وكانت الهند محطته الأولى، حيث من المؤكد أن إيران وتجارة الطاقة كانتا على جدول الأعمال. وقد أطلق هو ومودي استراتيجية لأمن الطاقة، تتضمن خطة لتبادل التكنولوجيا النووية واستضافة قمة مشتركة للطاقة المتجددة.

إن من الواضح أن ترامب مصمم على تقويض أكثر من نصف قرن من قيادة الولايات المتحدة للاقتصاد العالمي. وتعدّ تداعيات الحرب خطوةً أخرى في مسيرته التدميرية للاقتصاد العالمي.