أوروبا تواجه مخاطر قوية بنشوب أزمة طاقة كبرى أخرى

إيان جونستون - فيريتي راتكليف - سارة وايت - سيباستيان آش

دفعت الحرب في الشرق الأوسط أسعار الغاز الأوروبية إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2023 في وقت سابق من هذا الأسبوع، وهو ما يضع القارة الأوروبية في مواجهة أزمة طاقة أخرى بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

مع توقف حركة الملاحة تقريباً عبر مضيق هرمز الحيوي، وتسبب الضربات الإيرانية على قطر، ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، على وقف الإنتاج، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بنسبة 70% منذ يوم الجمعة.

وقال هينينغ غلويستين، خبير الطاقة في مجموعة أوراسيا: «إنها ضربة مزدوجة. أوروبا بالكاد تتعافى من أزمة طاقة صناعية، والآن تواجه أزمة أخرى».

ويوم الأربعاء، أصبحت ناقلة غاز طبيعي مسال كانت متجهة في الأصل إلى فرنسا أول شحنة في المحيط الأطلسي تغير مسارها إلى آسيا، مما يشير إلى تصاعد المنافسة من الاقتصادات الآسيوية للاستحواذ على الإمدادات. وبحسب شركة «كيبلر» المتخصصة في معلومات السلع، قامت ناقلة النفط «بي دبليو بروكسل»، المحملة بالغاز الطبيعي المسال من نيجيريا، بتغيير مسارها والتوجه جنوبا نحو رأس الرجاء الصالح.

ويأتي ازدياد التنافس على شحنات الغاز الطبيعي المسال في وقتٍ أدى فيه شتاء بارد بشكلٍ استثنائي إلى استنزاف احتياطيات الغاز الأوروبية. وقال سيميون تاجليابيترا، الباحث البارز في مركز الأبحاث «بروجيل»: «لم تكن المخزونات منخفضة إلى هذا الحد في مثل هذا الوقت من العام. ولا بد من البدء الآن إعادة ملء مخازن الغاز استعداداً للشتاء المقبل. وإذا ما استمر هذا الوضع مع هذه الأسعار، فسيشكل ذلك عبئًا هائلًا على أوروبا».

ووفقاً لبيانات «البنية التحتية للغاز في أوروبا»، فإن سعة التخزين في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي تقل عن 30%، مقارنة بمتوسط خمس سنوات يبلغ حوالي 45% في مثل هذا الوقت من العام. وتُعد الاحتياطيات في دولٍ مثل هولندا والسويد وكرواتيا ولاتفيا منخفضةً بشكلٍ خاص.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي إنه من الممكن إعادة ملء المخزونات بنسبة 90% قبل حلول الشتاء المقبل، وأشار إلى أن الدول الأعضاء لم تدعُ إلى اتخاذ تدابير منسقة للحد من الأسعار خلال اجتماع عُقد صباح الأربعاء.

وأكد رئيس الوزراء الهولندي، روب جيتن، الثلاثاء، أن هولندا ليست مُعرّضة لخطر نفاد الغاز. وقال: «ينصبّ التركيز الرئيسي على ملء احتياطيات الغاز في أسرع وقت ممكن».

وقال تاجر طاقة كبير إن كمية الغاز المسحوبة من مرافق التخزين التابعة للاتحاد الأوروبي بعد نهاية مارس تكون قليلة عادة، ومع الظروف الجوية الدافئة الحالية، «نحن نتوقف فعلياً عن السحب».

ومنذ عام 2022، نوّع الاتحاد الأوروبي مصادر إمداداته، ولم يعد يعتمد على الغاز الروسي، بل يستورد كميات أكبر بكثير من الغاز الأمريكي، ويستمد المزيد من الإمدادات من النرويج. وتستورد أوروبا حوالي 10% فقط من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر. ولكن إذا استمرت المنافسة على الإمدادات من مصادر أخرى في رفع الأسعار، فقد يرتفع التضخم بشكل كبير، مما يُعيق النمو الاقتصادي، لا سيما في إيطاليا وألمانيا، اللتين تعتمدان بشكل أكبر على واردات الغاز الطبيعي المسال.

وحتى قبل الارتفاع الحاد في أسعار الغاز هذا الأسبوع، ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 1.9% في فبراير، وهو مستوى أعلى من المتوقع. وقد حذر كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، من أن حرباً طويلة الأمد في الشرق الأوسط قد تتسبب في «ارتفاع كبير في التضخم الناتج عن الطاقة وانخفاض حاد في الإنتاج»، على الرغم من أن أسعار الغاز الأوروبية، التي تبلغ حوالي 54.50 يورو لكل ميغاواط ساعة، لا تزال أقل بكثير من ذروتها البالغة 340 يورو/ ميغاواط ساعة التي سجلتها في عام 2022.

وتكهن محللون في شركة ريستاد بأن أحد الخيارات القصوى لتعزيز إمدادات الغاز الأوروبية هو زيادة الواردات من روسيا. وكان من المقرر أن يبدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق حظر تدريجي على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي اعتباراً من أبريل، بدءاً بالعقود قصيرة الأجل ثم يشمل جميع العقود بحلول نهاية العام. لكن ريستاد أشارت إلى أن هذا المقترح سيكون مثيراً للجدل سياسياً، كما أنه سيثير معارضة قوية من الولايات المتحدة، التي زادت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا منذ خفض الإمدادات الروسية، مما يجعل هذا المقترح «مستبعداً للغاية». ويوم الأربعاء، هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقطع الإمدادات الروسية قبل الحظر الأوروبي، رغم أنه قال إنه كان «يفكر بصوت عالٍ» فحسب.

إذا استمر الوضع على هذا النحو، يتوقع المحللون أن تلجأ الحكومات الوطنية إلى تدابير أخرى لمعالجة الأسعار، على الرغم من أن العديد من الخيارات ستتعارض بشكل مباشر مع طموحات أوروبا المناخية.

وقد تلجأ شركات المرافق مؤقتاً إلى التحول من الغاز إلى الفحم في بعض محطات توليد الطاقة، كما فعلت ألمانيا خلال أزمة الطاقة عام 2022. كما يمكن لأوروبا أيضا الاستفادة من إحدى أدوات الطاقة التي كانت غائبة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا: الخيار النووي الفرنسي.

لكن تم إغلاق نحو نصف المفاعلات النووية الفرنسية البالغ عددها 56 مفاعلاً، والتي كانت تشغلها شركة «إي دي إف» عام 2022، لإجراء عمليات تفتيش واستبدال أنابيب بسبب مشكلة تشققات، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج إلى أدنى مستوياته منذ سنوات. وقد أجبر ذلك فرنسا على استيراد الكهرباء، غالباً من دول تستخدم الغاز لتوليدها، وأسهم في ارتفاع الأسعار بشكل حاد.

وتستعد بروكسل لاتخاذ إجراءات لإنهاء حصص الكربون المجانية للصناعات الثقيلة، كجزء من طموحاتها لتشجيع التصنيع الأخضر والوصول إلى صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2050، إلا أنها واجهت بالفعل معارضة شديدة من قطاع الصناعة. وقد عززت الحرب في الشرق الأوسط هذه المطالبات.

بينما صرّح المسؤولون الأوروبيون بأنه لا توجد خطط لاتخاذ إجراءات فورية لمعالجة ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه القضية مطروحة على جدول أعمال الاجتماعات المقبلة في بروكسل، بما في ذلك اجتماع رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، لمناقشة سياسة الطاقة مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، اليوم الجمعة.

وأكد عدد من المسؤولين إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة يُظهر الحاجة إلى إعادة التركيز على الكهرباء، وتطوير البنية التحتية للشبكة، واستخدام مصادر طاقة أنظف للحد من تأثير الغاز على تحديد الأسعار.