هل يمكن تجاهل الجغرافيا السياسية والشراء في ظل الفقاعات وتكديس الذهب؟

روبرت أرمسترونغ - كيتي مارتن

يعد يوم صدور كتاب «يو بي إس» السنوي لعوائد الاستثمار العالمية بمثابة احتفالات عيد الميلاد لعشاق الأسواق المتشائمين. فجدول العوائد الذي يعود لأكثر من قرن، الذي يغطي جميع فئات الأصول الرئيسة، يعطي شعوراً بامتلاك جميع أسرار السوق بين يديك (وبالطبع، إذا كنت من عشاق الأسواق المتشائمين الحقيقيين، فستحصل على النسخة الورقية، بكل صفحاتها التي تزيد على 300 صفحة).

ويحتوي إصدار هذا العام على بعض المعلومات الجديدة المثيرة للاهتمام التي دفعتنا إلى التفكير:

- تجاهل الجغرافيا السياسية: يصعب فعل ذلك في الوقت الراهن، لأسباب عديدة واضحة، لكن بيانات أداء السوق على مدى الـ126 عاماً الماضية تشير إلى أنه في جميع الحالات تقريباً يجب على المستثمرين على المدى الطويل تجاهل كل المشاكل والتمسك باستثماراتهم.

وفي الحديث عن إطلاق أحدث إصدار من الكتاب السنوي هذا الأسبوع، أشار بول مارش، أحد المؤلفين الثلاثة، إلى أن الصدمات الجيوسياسية الكبرى، كالحربين العالميتين وصدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، تركت بصمة واضحة. لكنه قال: «الأحداث الكبرى التي تؤثر على أسعار الأسهم عادةً ما تكون نادرة الحدوث». وقد تسببت الأسواق الهابطة في أوقات السلم، في الماضي، في أضرار تضاهي أو تفوق حتى أضرار الحروب الكبرى وما شابهها. فقد كان انهيار وول ستريت في ثلاثينيات القرن الماضي، وانهيار شركات الإنترنت في مطلع هذا القرن، والأزمة المالية العالمية الكبرى قبل 18 عاماً جميعها على مستوى الحربين العالميتين من حيث التأثير على السوق. وعلى سبيل المثال، بلغت خسائر الأسهم الأيرلندية نسبة 81% في عام 2008.

ويعد أحد الدروس القاسية المستفادة هو الفائدة المالية الكبيرة التي جنتها الولايات المتحدة من خوض حروبها على أراضي دول أخرى وكونها في الجانب المنتصر. ويمكن على سبيل المثال مقارنة عوائد الولايات المتحدة في الحربين العالميتين بعوائد ألمانيا وفرنسا.

لا بد لك أن تحافظ على هدوئك وتستمر! فالتاريخ يقول ذلك، لكن التاريخ ينظر إلى الماضي، بينما الاستثمار ينظر إلى المستقبل. وتكنولوجيا الحرب الحديثة تعني أن إيران قد تتمكن من إبقاء مضيق هرمز مغلقاً لفترة طويلة، ما سيؤدي إلى انخفاض النمو العالمي وارتفاع التضخم. ورغم أننا نعلم الآن أن الحربين العالميتين كانتا حربين كبيرتين، لكن كان من الصعب معرفة ذلك قبل اندلاعهما.

- استثمر في التكنولوجيا (إذا كنت شاباً): وهنا يقول مارش: يربط الناس التكنولوجيا الجديدة بالفقاعات بسبب انهيار شركات الإنترنت. ولذلك يشعرون بالقلق إزاء التركز العالي الحالي للتكنولوجيا بشكل عام وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل خاص بأسواق الولايات المتحدة. لكن إذا كنت تعتقد أن السوق مركزة الآن، فحري بك أن تلقي نظرة على السوق في عام 1900، عندما كانت في الأساس منتدى لامتلاك أجزاء من خطوط السكك الحديدية.

الآن لا تلعب السكك الحديدية أي دور يذكر في الحياة الأمريكية مقارنة بما كانت عليه قبل 125 عاماً. فقد حلت السيارات والطرق السريعة والنقل بالشاحنات والسفر الجوي محلها. لكن على الرغم من ذلك، فإن دولاراً واحداً تم استثماره في السكك الحديدية الأمريكية عام 1900 سيساوي اليوم مبلغاً هائلاً قدره 176,000 دولار، وفقاً لحسابات مارش وزملائه. في المقابل، فإن الدولار نفسه المستثمر في النقل البري (الشاحنات والحافلات وما إلى ذلك)، البديل المفترض للسكك الحديدية، سيساوي 27,000 دولار، بينما ستساوي أسهم شركات الطيران 8,000 دولار.

بالطبع، لا تمثل قصة السكك الحديدية القصة نفسها مع كل تقنية. ويشير الكتاب السنوي إلى أن القنوات المائية كانت ابتكاراً تقنياً رئيسياً ومكوناً مهماً في سوق الأسهم في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. لكن لو احتفظت بأسهمك في القنوات المائية بعد ظهور السكك الحديدية، لكنت خسرت كل شيء. كذلك، تختلف قصة السكك الحديدية لأنها ظلت الوسيلة الأقل تكلفة لنقل البضائع الثقيلة جداً، وقد ازداد إنتاج هذا القطاع باستمرار من خلال تحسين العمليات والاندماج.

وماذا عن تكنولوجيا المعلومات؟ تلقي فقاعة الإنترنت بظلالها هنا. فبحسب الكتاب السنوي، فإنه «في أواخر التسعينيات، لم يكن لدى العديد من شركات الإنترنت نموذج عمل قابل للتطبيق. وقد فشل الكثير منها لاحقاً - تماماً كما حدث قبل أكثر من قرن، عندما بنيت العديد من خطوط السكك الحديدية دون أي احتمالات ربحية تذكر، وانتهى المطاف بمعظمها إلى الإفلاس». لكن، كما هي الحال مع السكك الحديدية، حقق المستثمرون الذين تمسكوا بالقطاع عموماً (بدلاً من أي شركة محددة ضمنه) أداءً جيداً على المدى الطويل.

وبالنسبة للمستثمر التعيس الذي اشترى أسهم التكنولوجيا لأول مرة في مارس 2000، فهو سيضطر للانتظار 17 عاماً لاسترداد رأس ماله، و23 عاماً لمواكبة أداء السوق الأوسع، و25 عاماً ليبدأ في التفوق عليه. لكن هذا هو المستثمر التعيس تماماً. وكما يقول الكتاب السنوي: المستثمر الذي استثمر أمواله في قطاع التكنولوجيا الأمريكي في نهاية عام 1996، عندما تساءل رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، آلان غرينسبان، عما إذا كان السوق «متفائلاً بشكل غير منطقي»، كان سيحقق عائداً سنوياً قدره 14.1% مقابل 10% للسوق الأمريكية.

وقد يكون العامل الأساسي هنا هو أن مؤشرات قطاع التكنولوجيا تغطي نطاقاً واسعاً بما يكفي للاستفادة من مختلف التقنيات بمرور الوقت، بدءاً من أنظمة تشغيل الحواسيب الشخصية، مروراً بمحركات البحث على الإنترنت، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي. العبرة باختصار: استمر في الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، حتى عندما يبدو مكلفاً، ولكن عليك تنويع استثماراتك فيه.

- استخدم الذهب، ولا تكنزه: يتضمن كتاب «يو بي إس» السنوي لهذا العام قسماً جديداً وغنياً بالمعلومات عن الذهب، يرسم صورة متوازنة ومستنيرة لخصائص الاستثمار في هذا المعدن الأصفر. فمنذ عام 1900 بلغ العائد السنوي الحقيقي على الذهب 1.3%، وهو أقل من عائدات السندات العالمية (1.7%) والأسهم (6 -7%). إلا أن التاريخ الطويل ليس ذا أهمية كبيرة، لأن منحنى عائدات الذهب تغير جذرياً بعد تخلي الولايات المتحدة عن معيار الذهب عام 1971. ومنذ ذلك الحين بلغ العائد السنوي الحقيقي 4.7%، وهو معدل جيد.

لكن إليك بعض الملاحظات على هذا الرقم، فهو مبالغ فيه بسبب الارتفاع المذهل في سعر الذهب عام 2025، وقد صاحبه تقلبات أكثر بنسبة 40% مقارنة بالأسهم الأمريكية. وأخيراً، لم يكن الذهب وسيلة فعالة للتحوط من التضخم: إذ يشير الكتاب السنوي إلى أنه من بين 28 عاماً منذ عام 1971 تجاوز فيها التضخم 3%، كانت عائدات الذهب سلبية في 13 عاماً منها. وفي المتوسط، لا يرتبط أداء الذهب سلباً بشكل ملحوظ بأداء الأسهم (مع أنهما لا يرتبطان إيجاباً أيضاً). وكل ذلك يجعل الذهب يبدو خياراً ضعيفاً في المحفظة الاستثمارية. لكنه يتميز في جانب رئيسي: أنه يميل إلى الأداء الجيد عندما يكون أداء الأسهم سيئاً للغاية، وفي فترات الركود.

ووفقاً للكتاب السنوي، فقد ارتفعت أسعار الذهب في 8 من أصل 11 فترة انخفاض (بعد عام 1971)، وانخفضت بنسبة أقل من مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في الفترات الثلاث الأخرى. كما وفرت السندات حماية أيضاً، بعوائد إيجابية في 8 من فترات انخفاض، وخسائر أقل من خسائر الأسهم في الفترات الثلاث الأخرى. وتفوقت السندات على الذهب في 5 فترات انخفاض، ولكن في جميع الفترات الـ11 كان متوسط عائد الذهب أعلى بنسبة 2% من عائد السندات.

وحقيقة أن الذهب، تاريخياً، لا يتفوق باستمرار إلا في أسوأ الظروف التي تشير إلى أنه لا ينبغي للمستثمرين الاحتفاظ به ببساطة. فإذا فعلوا ذلك فإن كل ما سيحصلون عليه على المدى الطويل هو عوائد أقل من الأسهم، مع تقلبات أعلى. بدلاً من ذلك، ينبغي على المستثمرين الذين يفضلون الذهب أن يشتروه في أوقات الرخاء، والاستفادة من استقراره عند حدوث الأزمات، ثم بيعه عند استقرار الأوضاع، واستثمار العائدات في مجالات أخرى. مع هذا النوع من إعادة التوازن يصبح الذهب مفيداً. أما إذا قمت بتكديسه بشكل مفرط فلن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة ثروتك على المدى الطويل.