روبرت أرمسترونغ
تناولت عدة مقالات سابقة العلاقة بين فائض الادخار العالمي من جهة، وبين تباطؤ النمو، وتراجع أسعار الفائدة، وترسخ مظاهر اللامساواة من جهة أخرى، وقد استند كثير مما كتب إلى أطروحات اقتصاديين: عاطف ميان، ولودفيغ شتراوب، وأمير صوفي. وتتلخص رؤيتهم في الآتي:
خلال العقود الأخيرة شهدت ثروات الأثرياء حول العالم نمواً ملحوظاً، ما أدى إلى تراكم كم هائل من المدخرات، التي كان لا بد لها من منفذ، ولأسباب لا تزال غير واضحة تماماً لم تتحول هذه الفوائض إلى استثمارات إنتاجية، بل جرى توجيهها نحو إقراض الفئات الأقل ثراء لتمويل استهلاكها، وقد أسفر هذا المعروض الضخم من رؤوس الأموال القابلة للإقراض عن الإبقاء على معدلات الفائدة عند مستويات متدنية، ما دفع تقييمات الأصول عالية المخاطر إلى الارتفاع، وأدى بالتالي إلى ازدياد ثراء الأغنياء ومنحهم المزيد من الأموال، لإعادة ضخها في الدورة الإقراضية، غير أن الأثر العكسي تمثل في أن عبء الفوائد المتراكمة استنزف الطلب تدريجياً.
إنها أطروحة شديدة الإقناع، غير أنني بدأت أتساءل مؤخراً عما إذا كانت هذه الحجة لا تزال صامدة بعد عام 2022، حين قفزت معدلات الفائدة قفزة كبيرة، وظلت عند مستوياتها المرتفعة، ولذلك تواصلت مع عاطف ميان وسألته ما إذا كان قد غير وجهة نظره، واتضح أن الإضافة الجوهرية في رؤيته حالياً تتعلق بدور الاقتراض الحكومي في امتصاص أو تأصيل تخمة المدخرات العالمية.
على المستوى الكلي يقول ميان، إن الأمر الجوهري الذي ينبغي فهمه في اقتصاد يطغى عليه فائض المدخرات، هو أن معدل نمو دخول المستهلكين فلنسمه (جيم) يجب أن يبقى أعلى من المعدل الذي يقترضون به لنسمه (راء)، فإذا لم يتحقق ذلك فإن المستهلكين سيصلون إلى حالة الإفلاس، لكن خلال السنوات الأخيرة، وكما يقول ميان: «معدل الفائدة الذي يقترض به المستهلكون بات بلا شك أعلى من معدل نمو دخولهم»، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يستمر في ظل حالات تخلف دائمة عن السداد، لذا تميل المنظومة الاقتصادية إلى التكيف لتجنب التعثر، وعندما يرتفع معدل الاقتراض (راء) فوق معدل نمو الدخل (جيم)، تُدفع معدلات الفائدة نحو الانخفاض.
والسبب الجوهري الذي دفع الأفراد إلى الاقتراض أصلاً هو وجود فائض في المدخرات داخل النظام المالي، لذا يسعى هذا النظام إلى إيجاد جهات تقترض بتكلفة أقل، ولكن مع اقتراب معدلات الفائدة من الصفر، تتوقف هذه الآلية عن العمل؛ إذ لا يمكن تخفيض الفائدة أكثر من ذلك من دون المساس بأرباح المقرضين.
وعند هذه النقطة يصبح من الصعب على اقتصاد مدمن على الديون أن يولد طلباً كافياً لتجنب الركود، وهنا يدخل الاقتصاد في ما يُعرف بـ«فخ السيولة»، غير أن هناك جهة واحدة قادرة على الاقتراض بمعدل أدنى من معدل نموها، وهي الحكومة.
ولهذا السبب تحديداً كان لا بد للعجز الأولي في الميزانية الأمريكية، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، أن ينمو بشكل مطرد، قبل أن ينفجر بعد عام 2008، وثمة معضلة هنا، وهي أنه على الحكومة أن ترفع من عجزها كي لا يتوقف الاقتصاد عن النمو، غير أنها إن بالغت في ذلك فإن تكاليف الفائدة سترتفع وسيتباطأ النمو.
ويُطلق ميان وزملاؤه على هذه الرؤية اسم «نظرية العجز المالي على طريقة غولديلوكس»، فالقطاع الخاص لم يعد قادراً على تحمل مزيد من الاقتراض، وهو عالق في حالة ركود دائم، ما لم تتدخل الحكومة -التي تمتاز بأن (راء) لديها أدنى من (جيم) لتأخذ زمام المبادرة.
ومن خلال الحفاظ على عجز دائم تستطيع الحكومة إخراج الاقتصاد من فخ السيولة، لكن ذلك يتطلب وجود حكومة ذات كفاءة فائقة، قادرة على إدارة عجز يكون كبيراً بما يكفي لتفادي الركود، من دون أن يكون ضخماً إلى حد يؤدي إلى ارتفاع معدل الفائدة، وأقترح هنا تسمية هذا الوضع بـ«عجز على حد السكين»، لأنه يعبر عن مدى دقة التوازن المطلوب.
وإذا كانت رؤية ميان- شتراوب- صوفي للاقتصاد صحيحة، فينبغي أن نستعد لمزيد من التقلبات في أسواق الدين والأسهم، فبينما تسير الحكومات على حد السكين الفاصل بين تحفيز مالي غير كافٍ من جهة، وبين تضخم وارتفاع في معدلات الفائدة من جهة أخرى، فإنها ستتعثر مراراً في إحدى الجهتين.
على صعيد آخر شكلت شبكات الكابل في السابق مصدراً متدفقاً للسيولة النقدية، لكنها اليوم في حالة تراجع، وفي قطاع البث المباشر عبر الإنترنت، البديل الحديث للكابل، فالمنافسة مع «نتفليكس» صعبة، وتحقيق الأرباح أصعب، وقد فقدت أسهم «وارنر براذرز ديسكفري» و«باراماونت» نحو نصف قيمتها خلال السنوات الخمس الماضية، أما سهم «كومكاست» فتراجع بنحو 10%، في حين ارتفع سهم «ديزني» بأقل من 3% خلال الفترة ذاتها.
لذا ليس من المستغرب أن تعتزم «وارنر براذرز ديسكفري» و«كومكاست» التخلي عن شبكات الكابل التابعة لهما، وتقول الشركتان إن هذه الخطوة ستتيح لهما التركيز على نقاط قوتهما، فمنذ عقود كان الحل المفضل في صناعة الإعلام، سواء لوجود مشكلة أو لعدم وجودها، هو إبرام صفقة.
وتقوم «وارنر براذرز ديسكفري» حالياً بفصل أعمال البث المباشر عبر الإنترنت والإنتاج السينمائي (ضمن كيان جديد يُعرف باسم «ستريمكو»، ويشمل «إتش بي أو ماكس») عن شبكات الكابل التابعة لها («الشبكات العالمية»)، وذلك في خطوة تعني عملياً التراجع عن اندماج باهظ التكلفة جرى في عام 2022.
وبالمثل تقوم «كومكاست» بإنشاء كيان مستقل يُدعى «فيرسنت» يفصل أغلبية شبكات الكابل عن باقي أنشطة «إن بي سي يونيفرسال»، التي ستحتفظ بقطاع المتنزهات الترفيهية والبث التلفزيوني الأرضي والإنتاج السينمائي.
ومع ذلك فإن هذا الفصل لا يحل المشاكل الجوهرية، مثل صعوبة تحقيق ربحية قوية في قطاع البث التدفقي، والتراجع المستمر في شبكات الكابل، ويشير كانان فينكاتيشوار، من «باركليز»، إلى أن التقلبات العالية في أعمال البث تجعل من الصعب حتى على الشركات التي تمتلك إمكانات نمو مرتفعة أن تحقق تقييماً سوقياً عالياً.
ولن تؤدي مستويات الدين المرتفعة إلا إلى زيادة حدة التقلبات، إذ تحمل «وارنر براذرز ديسكفري» ما يقرب من 37 مليار دولار من الديون الإجمالية، فما الخطوة التالية إذن؟ من المحتمل أن تتدخل صناديق الاستثمار الخاصة، وتستحوذ على شركات شبكات الكابل المفصولة، وتستنزف ما تبقى من تدفقاتها النقدية - وهي لا تزال تولد قدراً لا بأس به منها - رغم صعوبة معرفة الرقم الدقيق، لأن «وارنر» لا تفصح إلا عن الأرباح المعدلة بحسب القطاعات، وهو مقياس من الأفضل تجاهله.
عموماً فإن التحوّل من نموذج التوزيع عبر الكابل إلى البث المباشر عبر الإنترنت كان دائماً مساراً شاقاً، وهو يشبه إلى حد كبير ما عاشته الصحف، خلال انتقالها المؤلم من الورقي إلى الرقمي، صحيح أن إعادة الهيكلة قد تخفف وطأة هذا التحول، لكنها لن تقضي عليها تماماً.
