الحرب تخيب دائماً آمال الأسواق وتضخم كثيراً المخاطر القائمة

روبرت أرمسترونغ

عندما تندلع الحرب، يجدر بنا أن نتذكر أن الأسواق تخيب آمالنا دائماً. وعموماً، فإن الأسواق لن ترضينا بأن تعكس توقعاتنا للحرب «هذه الحرب ذكية/غبية، لذا سترتفع/ تنخفض الأسواق!». وحتى لو كان تحليلنا للحرب صحيحاً، فإن الأسواق لا تُجيد التنبؤ بالمستقبل البعيد، وهو الإطار الزمني الذي تظهر فيه آثار الحروب عادة.

على المدى القصير، لم أرَ قط أي دليل على أن الأسواق تكون بارعة في تقييم المخاطر الجيوسياسية. والأهم من ذلك، أن الأسواق المالية لا تعكس الاقتصاد العالمي: فهي تُراعي ملاءة الدول وربحية الشركات، ولكن فقط بعض الدول وبعض الشركات، وفقط نسبة إلى التوقعات الضمنية، وليس بشكل مطلق.

مع ذلك، فإن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من الناحية الأخرى ستؤثر على الأسواق، لذا يجدر بنا تحديد بعض التوقعات - ليس لأنها من المرجح أن تكون دقيقة، بل لنعرف ما الذي يُفاجئنا، أو، إذا شئت، لنعرف متى يمكن للأسواق أن تقدم معلومات جديدة. وإليكم توقعاتي لاستجابة أسواق بعض فئات الأصول الرئيسية:

- الدولار الأمريكي والذهب: تسجيل ارتفاع، باعتبارهما ملاذين آمنين، مع الأخذ في الاعتبار أن الذهب أصبح أقل أماناً وأكثر ميلاً للمضاربة نظراً لارتفاع سعره الحقيقي، مقارنةً بقيمته التاريخية، أكثر من أي وقت مضى. لذا، تراجعت فائدته كمؤشر للخوف.

- سندات الخزانة الأمريكية: ارتفاع طفيف، مدفوعةً باللجوء إلى الملاذات الآمنة، ولكن ربما تم بالفعل تسعير بعض المخاطر الجيوسياسية في الجزء الطويل من منحنى العائد. ومع انخفاض عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أقل من 4%، لست متأكداً من مدى إمكانية ارتفاع الأسعار وانخفاض العوائد.

- النفط: ارتفاع، لأسباب واضحة، لكن معظم المراقبين يعتقدون أن مخاطر إيران التي تتراوح بين 5 و10 دولارات مُدرجة بالفعل في سعر 73 دولاراً. لذا، قد يكون الارتفاع على المدى القصير معتدلاً - ربما 5 إلى 10 دولارات أخرى؟

- الأسهم الأمريكية: عادةً ما أتوقع استجابةً تتسم بعدم المبالاة. مع ذلك، أنا أقل ثقةً بهذا الأمر، لأن السوق مؤخراً يبحث عن أي مبرر للهبوط.

وعموماً، فإنه بالنظر إلى التحركات المعتدلة في أسواق العقود الآجلة الليلة الماضية، ومجموعة التعليقات خلال عطلة نهاية الأسبوع، يسود اعتقاد بأن المرحلة «الساخنة» من هذا الصراع ستكون قصيرة. وتتلخص الحجة، بشكل عام، في أن ترامب متلهف لإعلان النصر والانسحاب، وأن إيران في وضع عسكري غير مواتٍ للغاية، وأن كلا الجانبين لا يمتلك مخزوناً لا ينضب من الصواريخ والطائرات المسيرة والطائرات الاعتراضية. ليس لدي أي مؤهلات لتقييم هذا التوقع؛ إنما أشير فقط إلى وجوده.

إذن، يكمن الخطر الأكبر في تزايد احتمالية نشوب صراع أطول. والتحرك السريع في فنزويلا والضربات التي شُنّت في يونيو على المنشآت النووية الإيرانية، والتي لم تُحدث أي منها تأثيراً دائماً على الأسواق، تشغل بال المستثمرين. لكن الهجوم الحالي أكثر طموحاً، ويبدو أن إطالة أمد الصراع إحدى استراتيجيات إيران. وقد أوضح أجاي راجادياكشا، رئيس قسم الأبحاث العالمية في باركليز، هذه النقطة بوضوح بقوله:

من السابق لأوانه شراء أي أسهم عند انخفاض الأسعار مطلع الأسبوع، خاصةً مع اعتياد المستثمرين على نمط التهدئة السريعة. وما يقلقنا هو أن المستثمرين قد تعلموا هذا النمط، وقد يقللون من قيمة سيناريو فشل الاحتواء. لنفترض أن السوق افتتح على أساس توقع تصاعد التوترات الجيوسياسية ثم انهيارها. ولكن بعد ذلك، تصاعدت الأحداث على أرض الواقع. وإذا تراجعت الأسهم بشكل كافٍ (على سبيل المثال، أكثر من 10% في مؤشر ستاندرد آند بورز 500)، فمن المرجح أن يحين وقت الشراء. ولكن ليس الآن.

ومن المنطقي أن التضخم سيكون هو العامل الحاسم في السوق في حالة استمرار الصراع. فقد أيقظ تقرير أسعار المنتجين لشهر يناير، الذي صدر يوم الجمعة وكان أعلى من المتوقع، السوق، وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى ابتعاد لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أكثر عن خفض أسعار الفائدة في اجتماعاتها القليلة المقبلة. وهذا من شأنه أن يخلق ضغوطاً على أسعار الأسهم والسندات على حد سواء.

تتمحور معظم التعليقات حول ما إذا كانت أسعار النفط سترتفع بشكل حاد بما يكفي لزيادة التضخم بشكل ملحوظ وخفض النمو - لتصل إلى 100 دولار أو أكثر - وحول ما إذا كان مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أم سيُغلق. وحتى الآن، يُعتبر المضيق مفتوحاً من حيث المبدأ، لكن ليس عملياً، حيث تتجنب ناقلات النفط وشركات التأمين المخاطرة.

ويرى روري جونستون من «كوموديتي كونتكست» أن الإغلاق ليس هو الخطر الأكبر في الواقع. فهو يُشبه إغلاق المضيق بثني خرطوم حديقة، مما يُوقف تدفق الماء ولكن من السهل إصلاحه. لكن التهديد الذي يُشكله إغلاق المضيق لفترة طويلة على إمدادات الطاقة كبيرٌ لدرجة أنه سيتطلب قوة كبيرة لإعادة فتحه. وعندما يُعاد فتحه، سيبدأ النفط بالتدفق مجدداً على الفور، تماماً كخرطوم غير مثني. أما التهديد الأكبر فهو أن تُلحق إيران أضراراً جسيمة بالبنية التحتية النفطية في المنطقة، مما سيُسبب ضرراً طويل الأمد للإمدادات ويُؤدي إلى رد فعل سعري أكبر.

إذن ارتفاع أسعار النفط سيدفع التضخم إلى الارتفاع؛ وارتفاع التضخم يعني ارتفاع عوائد السندات؛ وعوائد السندات المرتفعة تهدد أسعار الأسهم. ولعل الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة هي الاقتصاد الأمريكي، حيث تُفسّر آثار الثروة الناتجة عن ارتفاع أسعار الأسهم مرونة الاستهلاك الأمريكي.

ويرى دون ريسميلر من شركة استراتيجاس أن حالة التوازن الهش بين هذه العناصر ستستمر حتى نهاية العام، ويقول: «من المرجح أن تتكرر هذه السلسلة في عام 2026. فالاقتصاد الأمريكي يعتمد على سوق الأسهم، وسوق الأسهم يعتمد على سوق السندات، وسوق السندات يعتمد على التجاذب بين سوق السلع (الذي يدفع التضخم إلى الارتفاع) والإنتاجية (التي تُبقي التضخم وتكاليف وحدة العمل منخفضة)». وبعبارة أخرى، قد لا تُمثل الحرب الممتدة خطراً جديداً بقدر ما تُضخّم كثيراً المخاطر القائمة أصلاً.