مالكولم مور - ريوهتاروه ساتوه - فيريتي راتكليف
تمتلك إيران قدرة كبيرة على زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية. وتُعاود الأسواق فتح أبوابها اليوم، لكن ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات منذ بداية العام يُذكّرنا بمدى جدية تعامل التجار مع أي تصعيد عسكري في المنطقة، وذلك رغم أن سنوات طويلة من العقوبات الأمريكية تعني أن صادرات النفط الإيرانية لم تعد تُشكّل حصة كبيرة من الإمدادات العالمية.
ويتمثل مصدر القلق الرئيس في السوق في نفوذ إيران على الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره الكثير من النفط والغاز، هذا علاوة على دعمها للميليشيات في جميع أنحاء المنطقة والتي قد تشنّ هجمات على البنية التحتية للطاقة.
قال أحد كبار تجار الطاقة، وهو يُفكّر في كيفية التعامل مع تداعيات الضربات الجوية في المنطقة: «الأمر في غاية التعقيد. قد تُؤدي إلى فوضى عارمة، وهناك احتمال لحدوث المزيد من الارتفاعات الحادة في الأسعار نظراً لحالة عدم اليقين السائدة».
وخلال العام الماضي، أعقب كل ارتفاع في أسعار النفط خلال الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة عمليات بيع مكثفة، إذ راهن التجار على ضآلة احتمالية تغيير النظام في طهران، أو حدوث زعزعة أوسع للاستقرار.
لكن هذه الحسابات تغيرت، مع تزايد المخاوف من سعي الولايات المتحدة للإطاحة بالنظام الإيراني، وهو سيناريو يزيد من خطر امتداد الصراع إلى الشرق الأوسط، واضطراب كبير في تدفقات الطاقة. لكن ما مدى أهمية إيران لإمدادات الطاقة العالمية؟
تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم، لكن سنوات من العقوبات ونقص الاستثمار أعاقت صادراتها. وضخت البلاد 3.45 ملايين برميل يومياً من النفط في يناير، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، أي أقل من 3% من الإمدادات العالمية.
تذهب جميع صادراتها تقريباً إلى الصين، وتحديداً إلى مصافي التكرير المستقلة في مقاطعة شاندونغ، المستعدة لشراء النفط الخاضع للعقوبات بخصم كبير. وشكّل النفط الخام الإيراني نحو 13% من واردات الصين من النفط المنقول بحراً العام الماضي، وفقاً لشركة «كيبلر» المتخصصة في بيانات الطاقة.
وخلال نزاع العام الماضي، هاجمت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية، لكنها تجنبت استهداف البنية التحتية الأخرى للطاقة. ونظراً لضحالة سواحلها، تُعاني طهران من نقطة ضعف حادة، إذ تُصدّر معظم نفطها الخام من محطة تصدير واحدة، هي جزيرة خارك، الواقعة على بُعد 15 ميلاً بحرياً في المياه العميقة. وفي الأيام الأخيرة، كثّفت المحطة صادراتها واستنفدت مخزونها من النفط الخام.
لكنّ فقدان النفط الإيراني لن يُحدث، في حد ذاته، اضطراباً في السوق. فمع توقّع تجاوز العرض العالمي للطلب في النصف الأول من هذا العام، يُتوقع أن يكون التأثير محدوداً. ويقول ريتشارد نيفيو، نائب المبعوث الأمريكي الخاص السابق لشؤون إيران، والذي يعمل حالياً في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا: «في ظلّ الظروف الراهنة، يُمكن للأسواق استيعاب الأمر حتى لو اختفى النفط الإيراني غداً».
وقال دان ماركس، الباحث في أمن الطاقة بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن طهران لن ترغب في وقف تدفق النفط الخام إلا في أشد الظروف قسوة.
وتُصدّر إيران الغاز الطبيعي إلى دول مجاورة، من بينها تركيا والعراق، إلا أن هذه التدفقات تتعرض لانقطاعات متكررة. فقد توقفت الإمدادات إلى العراق مؤخراً بسبب ما وصفته طهران بمشاكل فنية، بينما يشهد تبادل الغاز مع تركمانستان تقلبات مستمرة نتيجة خلافات حول فواتير غير مدفوعة.
لكن كيف يُمكن لإيران أن تُعطّل تدفقات الطاقة العالمية؟ يمرّ عبر مضيق هرمز يومياً نحو 21 مليون برميل من النفط من إيران والعراق ودول الخليج. وقد هددت إيران مراراً بإغلاق هذا المضيق الحيوي، وزرعت ألغاماً عبره خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وقالت هيليما كروفت، المحللة في شركة آر بي سي كابيتال ماركتس: «نعتقد أن هناك خطراً كبيراً من أن تكون الجولة الثانية من المواجهة بين طهران وواشنطن أوسع نطاقاً وأكثر اضطراباً من حرب الأيام الاثني عشر التي دارت رحاها في يونيو الماضي».
وأشارت إلى أنه خلال زيارة حديثة للشرق الأوسط، «حذّر العديد من المراقبين المطلعين من أن إيران ستسعى على الأرجح إلى استهداف منشآت الطاقة وغيرها من الأصول الاقتصادية الرئيسة لإجبار واشنطن على التراجع». وقال ريتشارد نيفيو: «سيقول الإيرانيون: إذا لم يُسمح لنا بامتلاك نظام طاقة، فلن يُسمح لكم بذلك أيضاً». ومع ذلك، قال دان ماركس إن أمام طهران خيارات قليلة.
وأوضح قائلاً: «إذا كان الاقتصاد مزدهراً والنظام قوياً، فبإمكانه إيقاف الصادرات أو إغلاق مضيق هرمز. يكفي أن تقول إنك زرعت ألغاماً، أو أطلقت بضعة صواريخ، وعندها ستتوقف حركة الشحن. لكنه لا يريد أن يخسر كل ما لديه».
لكن يمكن لطهران أيضاً الاستعانة بشبكة من الميليشيات في أنحاء الشرق الأوسط لتعطيل إنتاج النفط أو صادراته أو حركة الشحن.
إذن ما الذي يمكن أن يحدث لأسعار النفط؟ لا يزال التجار مطمئنين إلى حد ما بشأن التأثير طويل الأمد للمواجهة، مشيرين إلى وفرة الإمدادات البديلة وعدم اليقين بشأن حجم أي صراع ومدته.
وقال جيوفاني ستونوفو من بنك يو بي إس، إنّ الإنتاج الإيراني قد يُعوَّض بزيادة الإنتاج من السعودية، أو باللجوء إلى المخزونات في حال حدوث اضطراب قصير. وقال أحد كبار التجار إن القطاع اعتاد إعادة تنظيم تدفقات الطاقة وبات أكثر استعداداً لأي اضطرابات محتملة في منطقة الخليج.
وأضاف: «يجب أن نبني أكبر قدر ممكن من المرونة، وأن ندرك احتمالية تغيير مسارات الشحن»، مشيراً إلى أن القطاع تعامل بنجاح مع صدمات جائحة كوفيد - 19 والحرب الروسية الأوكرانية. وكان سعر خام برنت ارتفع بنسبة تصل إلى 3% يوم الجمعة، مسجلاً أعلى مستوى له في سبعة أشهر عند 73 دولاراً للبرميل، وارتفع بنسبة 12% تقريباً خلال يناير الماضي مع تزايد التوقعات بنشوب صراع.
وسلط ديفيد فايف، كبير الاقتصاديين في شركة أرجوس، الضوء على الآثار الجانبية على مصافي التكرير الصينية، التي استفادت من النفط الخام الرخيص من روسيا وفنزويلا وإيران. وأي نقص في الإمدادات سيدفعها إلى اللجوء إلى أنواع النفط الأغلى سعراً من الشرق الأوسط، ما سيؤدي إلى تضييق هوامش الربح. قد يتحول هذا الضغط إلى ورقة مساومة سياسية بين واشنطن وبكين.
قال فايف: «ترامب مولعٌ جداً بتهديد بكين. والسؤال الآن هو هل سينفذ تهديده أم لا؟». ما مدى أهمية النفط للاقتصاد الإيراني؟ لطالما أصرّ القادة الإيرانيون على ضرورة تقليص اعتماد البلاد على النفط. وكان هناك انتقادات متكررة لحالة القطاع المتهالكة، وتحذيرات قوية من أن الاعتماد على النفط يجعل إيران عرضة للضغوط الخارجية. لكن البلاد تبقى «معتمدة بشكل كبير» على عائدات النفط.