آندي هالدين
ماذا يحدث عندما تتصادم موجتان، وتلتقي الفوضى بالفوضى، ويتلامس عدم اليقين مع عدم اليقين؟ لطالما شغل هذا السؤال علماء المحيطات والمتخصصين في الأنظمة المعقدة، لكنه الآن بات يشغل الاقتصاديين والمتخصصين في الشؤون المالية أيضاً، وهم يقيّمون آثار موجتين، مجهولتي الحجم والسرعة، تتصادمان أمامهم في آنٍ واحد.
الموجة الأولى جيوسياسية، وهي الشرخ في النظام العالمي القائم على القواعد، أو بتعبير أدق الانتقال من النظام العالمي إلى الفوضى في كل شيء، من التجارة العالمية إلى الأمن العالمي. فمن دون تلك القواعد، تصبح قوانين حركة العالم أقرب إلى قوانين الكم منها إلى قوانين نيوتن، غير مؤكدة بطبيعتها وجذرياً.
ويشكل عدم اليقين هذا خطراً داهماً على جميع جوانب حياتنا. فبالنسبة للشركات، يعني ذلك إعادة هيكلة مكلفة لأنظمة التجارة والتمويل العالمية، وبالنسبة للحكومات، يعني إعادة النظر في الإنفاق الدفاعي وإعادة صياغة التحالفات الأمنية، وبالنسبة للمواطنين، يعني تهديدات لمصالحهم العامة، بما في ذلك استقلال البنوك المركزية والمحاكم والبرلمانات. ولكل منها تكلفة اقتصادية ومالية لا يمكننا تحملها في ظل النمو المنخفض وارتفاع الدين العام.
كما يعيد هذا الغموض تشكيل الأسواق المالية مع سعي المستثمرين إلى ملاذ آمن. ومن اللافت للنظر أنهم لا يفعلون ذلك بالاتجاه نحو الأصول الحكومية «الآمنة»، بل نحو المعادن النفيسة، فقد تضاعفت أسعارها خلال العامين الماضيين في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار الكثير من السندات الحكومية طويلة الأجل. وتعني المخاطر الجيوسياسية أننا نثق الآن بالذهب أكثر من غيره.
لكن هذا لا يروي سوى نصف الحقيقة، فقد تزامن تضخم الجزء السفلي من السوق نتيجة لتصاعد التهديدات الجيوسياسية مع تضخم الجزء العلوي منها نتيجة لموجة متصاعدة من الفرص التكنولوجية. وقد غذّى هذا التطور إمكانات الذكاء الاصطناعي وآفاق الحوسبة الكمومية. وقد ولّدت هذه الموجة التكنولوجية بالفعل موجة من الاستثمار المحموم في الأصول عالية المخاطر، سواء كانت حقيقية (حيث ضُخ نحو تريليون دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سنوياً خلال العامين الماضيين)، أو مالية (حيث تضاعفت أسعار بعض أسهم شركات التكنولوجيا أكثر من مرتين خلال الفترة نفسها).
وقد أدى ذلك بدوره إلى طفرة نمو طفيفة في الولايات المتحدة، مركز ابتكار الذكاء الاصطناعي، التي بلغ متوسطها نحو 3% أخيراً، مخالفة بذلك الاتجاهات العالمية. علاوة على ذلك، فقد شهد الطلب انتعاشاً ملحوظاً على الرغم من تراجع فرص العمل، ما يشير إلى أن النمو الأمريكي مدعوم بمكاسب في الإنتاجية. وقد يكون هذا هو الحصاد الأول للثورة الصناعية الرابعة.
وتضفي الاضطرابات الناتجة عن هاتين الموجتين مظهراً واضحاً للفوضى، لكن من الأنسب وصف الوضع الحالي بأنه «متفرطح»، وهو مصطلح إحصائي يطلق على التوزيعات ذات الذيول العلوية والسفلية السميكة، بدلاً من كونه فوضوياً. وتعني هاتان الموجتان أن العالم بات يشبه بشكل متزايد قضيباً حديدياً يتركز الوزن الأكبر فيه عند الطرفين، بدلاً من منحنى الجرس. وهذا له آثار بالغة الأهمية على الاقتصادات والأسواق المالية.
وفي ظل هذا الوضع، فإنه حتى الاختلافات الطفيفة في توازن الوزن يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً. ونرى ذلك في التفاوتات الكبيرة في النمو بين الدول؛ قارن بين الولايات المتحدة الأمريكية، ذات التوجه التكنولوجي، وأوروبا الغربية، ذات التوجه التكنولوجي الأقل.
ونلاحظ ذلك أيضاً في تفاوت النمو داخل الدول؛ إذ يعكس نمط النمو الأمريكي الأخير، الذي يتخذ شكل حرف «كيه»، التباين الكبير في الأوضاع الاقتصادية بين الأسر الغنية التي تستفيد من التكنولوجيا والأسر الفقيرة التي تتأثر بالتعريفات الجمركية.
ويظهر هذا السلوك بوضوح في الأسواق المالية أيضاً، فقد أدت التأثيرات المشتركة للموجتين إلى ارتفاع الأسعار وتقلبها بشكل كبير على طرفي طيف المخاطر؛ في المعادن النفيسة فائقة الأمان، وكذلك في أسهم العملات الرقمية والتكنولوجيا شديدة المضاربة. وهذه هي الأصول القيّمة والأصول الزائفة في محافظ الاستثمار ذات المخاطر المتباينة اليوم.
وحتى التحولات الطفيفة في احتمالات أي من طرفي الطيف يمكن أن تخل بتوازن هذا النمط، وتسبب ردود فعل مبالغاً فيها؛ «حساسية مفرطة» في أسعار الأصول استجابة لتغيرات طفيفة في معنويات السوق. ويُعد الانخفاض الحاد في أسعار كل من المعادن النفيسة وأسهم التكنولوجيا هذا العام، في ظل قلة الأخبار المتعلقة بالأساسيات، دليلاً على هذه الهشاشة.
وأخيراً، إذا تصادمت هذه الموجات الجيوسياسية والتكنولوجية، فهل نتوقع فوضى أم هدوءاً؟ لطالما انشغل علماء المحيطات وعلماء التعقيد بهذا السؤال. وإذا تزامنت موجة متراجعة بسرعة مع موجة قادمة بقوة، فإن التأثير هو تحييد قوتهما مجتمعتين، لا مضاعفتها. عندئذٍ، يولّد التقاء الفوضى بالفوضى هدوءاً ومرونة.
هذا ما حدث في العام الماضي، الذي فاجأت مرونته الاقتصادية والمالية الكثيرين، فقد تسببت الصدمة والهلع الناجمان عن المخاطر الجيوسياسية والتعريفات الجمركية في الربع الأول من العام في تراجع سريع في الإقبال على المخاطرة وتوقعات النمو.
ولكن تم تحييد هذه القوى لاحقاً بواسطة موجة الذكاء الاصطناعي القادمة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأصول وآفاق النمو بشكل عام. في عام 2025، استقر الوضع، وبات العالم، الذي يتسم بتوزيع غير متساوٍ، مستقراً ذاتياً ومرناً. لكن مع الأسف، لا يمكن ضمان هذا التزامن السعيد في المستقبل، لأنه إذا تصادمت موجتان عند قمتيهما، تتضاعف قوتاهما.
وهذه وصفة للفوضى لا الهدوء، والهشاشة لا المرونة. وإذا ما تحقق خطر جسيم، كالحرب، سواء كانت حقيقية أو متعلقة بالتجارة، وأدى إلى خروج الابتكار عن مساره، فإن الأنظمة الجيوسياسية والتكنولوجية ستتشابك. وقد يتحوّل العالم سريعاً إلى عالم ذي تباين حاد في الأداء، فتصبح الاقتصادات والأسواق المالية، كغيرها من علماء المحيطات، في حالة من التخبط والضياع.