آلان ليفسي
يدير تريفور غريثام صناديق تقاعد لصالح مجموعة رويال لندن، ويتتبع دورة استثمارية تُوجّه قراراته بشأن توزيع الأصول بين الأسهم والسندات والسلع والنقد. ويعتقد غريثام أن الوقت الأمثل للاستثمار في السلع قد اقترب. ويتوقع أن تشهد اقتصادات كبرى، كالولايات المتحدة، ارتفاعاً حاداً في الأسعار خلال العامين المقبلين، وقد استعدّ لبداية دورة سلع فائقة أخرى.
ويدير غريثام استثمارات في السلع بقيمة 4 مليارات جنيه إسترليني، أي ما يُعادل 5% من إجمالي محافظه الاستثمارية، تشمل المعادن والطاقة والقمح وأصولاً مادية أخرى. وقد ازداد الإقبال على الاستثمار في السلع خلال العام الماضي، ولكن هل هذا مناسب للمستثمر العادي؟
ويرى مؤيدو الاستثمار في السلع، مثل غريثام، أن أسعار السلع لا تتبع، مع مرور الوقت، أسعار الأصول الشائعة كالأسهم والسندات. وهذا ليس بالأمر السيئ، نظراً للمخاوف المستمرة بشأن فقاعة التكنولوجيا التي يقودها الذكاء الاصطناعي، والحاجة المُلحة للاقتراض من الاقتصادات الكبرى.
وتُساعد السلع على تقليل المخاطر وتنويع المحفظة الاستثمارية، فضلاً عن التحوّط ضدّ موجات التضخم. ويُضاف إلى هذه العوامل انخفاض قيمة الدولار. وسيجد مستهلكو السلع في الاقتصادات غير الدولارية أن شراءها أرخص، في ظلّ الظروف المستقرة، عندما يتراجع الدولار.
وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، شهدت مؤشرات السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مع انخفاض قيمة الدولار، كما حدث العام الماضي. وقد بدأت أسعار السلع الأساسية بالانتعاش بالفعل. فبعد فترة ركود دامت ثلاث سنوات، ارتفع مؤشر بلومبيرغ للسلع الأساسية، الذي يغطي طيفاً واسعاً من 25 سلعة، مثل الذهب والنفط الخام والنحاس، بنسبة 18% خلال الأشهر الستة الماضية، متجاوزاً بذلك أداء كلٍّ من الأسهم والسندات العالمية.
ويُفضّل البعض، مثل غريثام، امتلاك السلع الأساسية بأنفسهم، باستخدام صناديق المؤشرات والمشتقات المالية. وقد بلغت التدفقات النقدية الداخلة إلى سلة صناديق تتبّع السلع الأساسية الأوروبية الواسعة أعلى مستوياتها في أربع سنوات العام الماضي، وفقاً لبيانات مورنينغ ستار دايركت.
لكنْ ثمة خيار آخر، فامتلاك أسهم شركات إنتاج وتجارة السلع الأساسية يتيح الاستفادة من أرباحها المتزايدة نتيجة ارتفاع أسعارها، بما في ذلك شركات التعدين المدرجة، وشركات التنقيب عن النفط والغاز، وشركات تجارة المنتجات الزراعية. ولا تقتصر هذه الشركات على إنتاج المعادن فحسب، بل يمكنها، إذا كانت تتمتع بوضع مالي قوي، تمويل التوسع لتحقيق المزيد من النمو.
والسؤال المطروح أمام المستثمرين في السلع الأساسية هو: هل الأفضل امتلاك أسهم السلع الأساسية فقط، أم شراء أسهم الشركات المنتجة لها؟
ولكل خيار مزاياه وعيوبه. فقد تغير مسار الدولار على المدى الطويل. ولم يعد المستثمرون الأمريكيون قلقين بشأن ضعف الدولار المستمر منذ ما يقرب من عقدين. وقد حان الوقت لإعادة النظر في هذا الافتراض، خاصةً مع هيمنة الأسهم والسندات الأمريكية على معظم المؤشرات القياسية التي تتبعها الصناديق السلبية.
ووفقاً لمؤشر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المرجح بالتجارة، بلغ الدولار أعلى مستوى له في 20 عاماً قبل ما يزيد قليلاً على عام. ومنذ ذلك الحين، انخفض الدولار، وتراجع أكثر هذا العام. إلى جانب التوجه نحو الأسواق الأوروبية والناشئة للاستفادة من تغيرات العملة، تُقدم السلع الأساسية خياراً آخر.
ومنذ عام 2000، اتجهت مؤشرات السلع الرئيسية، مثل مؤشر«بي سي أو إم» ومؤشر ستاندرد آند بورز «جي إس سي آي» نحو التحرك عكس اتجاه مؤشر الدولار. وقد دفع القلق المتزايد بشأن قيمة الدولار المستثمرين نحو الأصول المادية، كالمعادن النفيسة والصناعية، والعملات المرتبطة بالسلع، كالدولار الأسترالي والريال البرازيلي.
وقبل ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان، بدأ منتجو السلع في العزوف عن التنقيب عن المعادن واستخراج النفط. يعتقد بن ديفيس، رئيس قسم أبحاث المعادن والتعدين الأوروبية في آر بي سي كابيتال ماركتس، أن هذا كان لسبب وجيه. فعلى الرغم من الإنفاق الضخم في السنوات الماضية، والذي حوّل عشرات التريليونات من الدولارات من التدفقات النقدية، لم يكن هناك دليل يُذكر على زيادة ملحوظة في الإنتاج.
وقد بدأ المساهمون يطالبون بإعادة أي تدفقات نقدية إضافية تُحققها هذه الشركات إليهم، إما عن طريق إعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح. وتبع ذلك انخفاض في الإنفاق من قبل أكبر شركات التعدين في العالم، بما في ذلك فريبورت-ماكموران، وريو تينتو، وبي إتش بي، وأنجلو أمريكان، وجلينكور.
وبين عامي 2015 و2022، انخفض الإنفاق لدى هذه الشركات بشكل ملحوظ، بما لا يقل عن الثلث، ويعود ذلك جزئياً إلى تباطؤ أسعار المعادن والطاقة. ولم يبدأ الإنفاق الاستثماري بالارتفاع مجدداً إلا في عام 2023، وفقاً لبيانات من «آر بي سي كابيتال ماركتس» و«إس آند بي كابيتال آي كيو». وتركز ريبيكا ماكميلان، مديرة محافظ في فريق الأصول المتعددة لدى «نيوبيرجر بيرمان» على معدنين، بدلاً من مجموعة متنوعة من السلع.
وقد استثمرت الشركة في الذهب - الذي تمتلكه نيوبيرجر بيرمان منذ نوفمبر 2023 - نظراً لمخاوف العجز المالي وتوقع انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة. كما تمتلك النحاس، الذي من المتوقع أن يستفيد من ازدهار الاستثمار في الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وغيرها.
ويتفق كريم شديد من «بلاك روك» مع هذا الرأي، قائلاً: «يتجاوز الطلب على المعادن اللازمة لتوليد الكهرباء العرض المتاح لمواد مثل النحاس والليثيوم ومواد البطاريات الأخرى».
ويُبقي غريثام على نسبة 5% من استثماراته في السلع، جزئياً للتحوّط من موجات التضخم المرتفعة غير المتوقعة. ويؤكد أن السلع قد أدّت دور التحوّط هذا مع تحقيق عوائد جيدة للمستثمرين. وبحسب أرقامه، فقد حققت السلع عائداً سنوياً قدره 6.7% بالجنيه الإسترليني، أي أعلى بنحو 5% من عائد النقد الذي بلغ 1.7% خلال السنوات العشر الماضية. وقد تفوّق هذا العائد بسهولة على سندات الخزانة البريطانية لأجل 10 سنوات، والتي كانت قريبة من الصفر خلال تلك الفترة، بينما لم يكن أداؤها بعيداً عن أداء الأسهم البريطانية.
ويبقى السؤال الأهم هو: ما هو إطارك الزمني؟ تشير بعض الأدلة إلى أن استثمار الأموال في المنتجات الأساسية قد يوفر فقط تحوطاً مقابل الاستثمار القصير. وينبغي أيضاً الاهتمام بتأثيرات التوترات الجيوسياسية، فقد أدى اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا والصراع الإسرائيلي الفلسطيني في غزة، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. كما حققت المعادن النفيسة مكاسب قوية للغاية.