صعوبة كبيرة في التقييم الدقيق لتأثيرات الذكاء الاصطناعي

هوارد ماركس

تعلمت من دراستي الأخيرة للنماذج اللغوية الضخمة ألا أنظر إلى نموذج الذكاء الاصطناعي كمحرك بحث يسترجع البيانات ويعيد إنتاجها، بل كنظام حاسوبي قادر على توليف البيانات واستخلاص النتائج منها.

ويشكك كثيرون في قدرة الذكاء الاصطناعي على «التفكير» بنفسه، نظراً لاعتماده في نهاية المطاف على إعادة تشكيل ما توصل إليه البشر مسبقاً وتطبيقه على بيانات جديدة ومجالات أخرى.

لكن أليس هذه هي أيضاً الكيفية التي يوسع بها الدماغ البشري قدراته؟ لذلك، هل تختلف طريقة نمو الذكاء الاصطناعي وتعلمه و«تفكيره» حقاً عن طريقتنا؟

من حيث الناتج الاقتصادي، قد لا يكون لهذا التمييز الفلسفي أي أهمية. فوتيرة تطورات الذكاء الاصطناعي غير مسبوقة، ولها تداعيات لم نشهدها من قبل. ففي الماضي، كان يتم وضع البنية التحتية لأي تقنية جديدة، وغالباً ما كان يستغرق الأمر سنوات حتى يتم توظيفها بالكامل.

أما اليوم، فالطلب على الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل ويتزايد بسرعة، ويقال إن العرض محدود. كذلك، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يتمتع أيضاً بعنصر من الاستقلالية لم يسبق له مثيل في أي تقنية أخرى.

ولهذا، يعتقد هؤلاء أن الذكاء الاصطناعي سيضطلع بمهام لم نتخيلها، وربما حتى بمهام لم تكن موجودة قبل أن يبتكرها.

ويشهد قطاع نماذج البرمجة نمواً متسارعاً منذ عام أو عامين. فلماذا لم يدرك المستثمرون إمكانات الذكاء الاصطناعي وتأثيره على صناعة البرمجيات قبل الانهيار الذي تشهده أسواق الأسهم؟

إن هذا السؤال يسلط الضوء على فشل البشر المتكرر في دمج المعلومات الجديدة في تفكيرهم، ربما بسبب عوامل مثل التنافر المعرفي أو غيرها من التحيزات.

وبالنسبة لآثار الذكاء الاصطناعي على عملية الاستثمار، فإن الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة كبيرة على استيعاب بيانات أكثر من أي مستثمر، وتذكرها بشكل أفضل.

والقدرة الفائقة على استخلاص الأنماط السابقة التي سبق لها تحقيق النجاح. مع ذلك، فإنه في الوقت نفسه يفتقر إلى بعض الجوانب. فالمستثمرون الناجحون ليسوا مجرد معالجين سريعين وموضوعيين للبيانات، بل يتعاملون مع التطورات الجديدة، ويتخذون قرارات مبنية على أسس موضوعية، ويوظفون حدسهم.

ونظراً لأن جزءاً كبيراً من عملية الاستثمار يعتمد على التكهنات، ولأن موثوقية الذكاء الاصطناعي ليست مطلقة، فأعتقد أنه من غير المرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي مستثمراً مثالياً.

والآن، ننتقل إلى السؤال الأهم الذي يرغب الجميع في معرفة إجابته: هل الذكاء الاصطناعي فقاعة؟ أستطيع أن أؤكد بثقة أن هذه التقنية حقيقية جداً، ولديها القدرة على تغيير عالم الأعمال بشكل جذري، وتغيير جوانب كثيرة من حياتنا كما نعرفها. كما أن هذه التقنية مطلوبة بالفعل ويتم تطبيقها على نطاق واسع.

هناك أيضاً سؤال مهم آخر: هل حجم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مفرط؟ هذا موضوع يحتاج إلى نقاش أوسع، لكن من الضروري الإشارة هنا إلى أن المزيد من الأموال تخصص لما يسمى برأس المال الاستدلالي لنشر النماذج بدلاً من تدريبها.

وبينما كان رأس المال الاستدلالي استثماراً تخمينياً - ينفذ لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي - فإنه يتم ضخه استجابة للطلب الفعلي على قدرات الذكاء الاصطناعي. وهذا الطلب يترجم بالفعل إلى نمو هائل في الإيرادات، ما يمكن أن يبرر هذا الإنفاق الرأسمالي.

وبعض إيرادات الذكاء الاصطناعي حالياً «دائرية» وذلك نتيجة لشراء شركات الذكاء الاصطناعي من بعضها البعض. ولا بد لسلسلة الإيرادات أن تعتمد في نهاية المطاف على المستخدمين النهائيين الذين يدفعون مقابل القيمة الاقتصادية الحقيقية.

تبقى فقط مسألة تقييم مدى ملاءمة أسعار أصول الذكاء الاصطناعي. وهنا يتعين التمييز بين أمرين: قد تكون الشركات العملاقة، التي يعد الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من أعمالها الناجحة، مبالغاً في تقييمها لكن من غير المرجح أن تكون أسعار الشركات المربحة للغاية مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل اليوم مبالغاً فيها بشكل كارثي.

من ناحية أخرى، لا يمكن النظر إلى الشركات الناشئة التي تقيّم بمليارات الدولارات - والتي لم يفصح بعضها بعد عن استراتيجياتها أو يعلن عن منتجاتها - إلا على أنها تذاكر يانصيب. وينتهي المطاف بمعظم المشاركين في اليانصيب بتذاكر لا قيمة لها، بينما يصبح الفائزون القلائل جداً أثرياء للغاية.

إنني لو خُيِّرتُ، لقلت إن إمكانات الذكاء الاصطناعي مُقلَّل من شأنها اليوم أكثر من كونها مبالغاً فيها. لكن هذا لا يعني أن استثمارات الذكاء الاصطناعي معروضة بأسعار زهيدة أو حتى عادلة. لذا، سأختم بنصيحة قد تبدو مألوفة بالنسبة لي: يبدو أن اتباع نهج معتدل، مع الانتقائية والحذر، هو الخيار الأمثل.