هل لدى شركات صناعة السيارات الأمريكية خطة لمنع خطر الانهيار؟

كريستيان ديفيز

ربما تكون الصورة الأبرز التي يتذكرها كثيرون من زيارة دونالد ترامب لمصنع فورد في ديترويت الشهر الماضي هي رد فعله تجاه أحد العمال الذي كان يقاطعه بسبب ملفات إبستين، لكن الرسالة الأوسع لزيارة الرئيس الأمريكي لعاصمة صناعة السيارات الأمريكية هي أن سياساته قد أعادت هذه الصناعة من الانهيار، من وجهة نظر العديد من الجهات.

قال ترامب خلال الزيارة: «لم يسبق لأي إدارة أن حققت مثل هذه التحولات الجذرية والشاملة، كما حدث في هذه الفترة القصيرة جداً. أحد عشر شهراً من الولاية الثانية والصناعة تشهد ازدهاراً».

وقد أشاد ترامب بفرضه تعريفات جمركية بنسبة 25% على السيارات وقطع الغيار، بالإضافة إلى إلغائه لقواعد الانبعاثات والحوافز الضريبية - التي وضعها سلفه، جو بايدن، لتشجيع المشترين على اختيار السيارات الكهربائية.

لكن بعض المراقبين في القطاع يخشون من أن يتلاشى التفاؤل المفرط بارتفاع الأرباح الناتج عن العودة إلى المركبات التي تعمل بمحركات البترول، إذ إن تركيز عهد ترامب على المنتجات التقليدية يضع المصنعين الأمريكيين في وضع غير مواتٍ ومتأخر في مواجهة المنافسة العالمية، لا سيما من الصين. يقول غلين ستيفنز، المدير التنفيذي لمجموعة الضغط «ميش أوتو»: «لا يمكننا الاستمرار على النهج المعتاد. العالم يتغير بسرعة كبيرة من حولنا، ومن الأفضل بطبيعة الحال أن نتغير معه».

وتؤكد فورد وجنرال موتورز، عملاقتا صناعة السيارات الأمريكيتان، تعافيهما بعد تكبدهما خسائر فادحة في الأرباح العام الماضي نتيجة التكاليف المرتبطة بالتعريفات الجمركية وشطب قيمة السيارات الكهربائية.

وصرح جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، للمستثمرين مؤخراً بأن مجموعته دخلت العام الجديد كشركة «أقوى وأكثر مرونة» بعد أن تكبدت خسارة قدرها 8 مليارات دولار عقب شطب 19.5 مليار دولار من قيمة مشاريعها المتعثرة في مجال السيارات الكهربائية.

في المقابل، أعربت ماري بارا، نظيرته في جنرال موتورز، عن ثقة شركتها ببرنامج لإعادة شراء الأسهم بقيمة 6 مليارات دولار، بعد انخفاض صافي الربح العام الماضي بأكثر من 55%.

وتشارك وول ستريت الشركتين تفاؤلهما، حيث ارتفعت أسهم جنرال موتورز 75% وأسهم فورد 50% خلال الأشهر الـ12 الماضية. إلا أن قطاع صناعة السيارات لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من بينها كيفية إعادة تنظيم سلاسل التوريد في ظل سياسات ترامب الجمركية وإعادة التفاوض المرتقبة على اتفاقية تجارية رئيسية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وقد خفت حدة التفاؤل الذي أثاره احتمال بيع المزيد من الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي الهجينة التي تعمل بالبنزين وذات هوامش الربح العالية، بسبب القلق المتزايد حيال أزمة القدرة على تحمل التكاليف في هذا القطاع.

حيث بات الأمريكيون من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض غير قادرين على شراء السيارات الجديدة. كما يشعر المسؤولون التنفيذيون بالقلق إزاء احتمال دخول منافسين صينيين متطورين ومنخفضي التكلفة إلى السوق الأمريكية، وهو أمر أشار ترامب إلى استعداده لدعمه كجزء من تسوية أوسع مع بكين.

يثير هذا الأمر شبح تسارع التراجع طويل الأمد لشركات صناعة السيارات في ديترويت. وقد أشار غلين ميرسر، الباحث المستقل في مجال السيارات، في تحليل حديث إلى أن الحصة السوقية العالمية لشركات فورد وجنرال موتورز والعمليات الأمريكية لمجموعة ستيلانتيس الأوروبية، التي تمتلك علامات جيب ودودج ورام، قد انخفضت بالفعل من 29% عام 2000 إلى 13% اليوم». ويضيف: «تشير التوقعات البسيطة إلى أن صناعة السيارات الأمريكية المحلية ستختفي تماماً قبل عام 2050».

ولا تزال الرسوم الجمركية تشكل تحدياً مباشراً لشركات صناعة السيارات الرائدة في ديترويت. فقد تكبدت جنرال موتورز تكاليف متعلقة بالرسوم الجمركية بلغت 3.1 مليارات دولار العام الماضي، بينما تكبدت فورد، التي تصنع نسبة أكبر من سياراتها في الولايات المتحدة، خسائر بقيمة ملياري دولار.

ويصف مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في قطاع صناعة السيارات الأمريكي كيف اضطرت الشركات المصنعة الكبرى إلى البحث عن مصادر جديدة للمكونات وإعادة توطين الإنتاج، مع تحملها في الوقت نفسه جزءاً كبيراً من تكاليف مورديها في محاولة لحماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار المؤلم.

ويضيف إنه على الرغم من أن الرسوم الجمركية كان لها «تأثير كبير» على أرباح الشركات، إلا أن الوضع كان «أفضل بكثير مما كان متوقعاً». ويعود ذلك جزئياً إلى استفادة الشركات من «اندفاع المستهلكين» لشراء السيارات قبل دخول الرسوم حيز التنفيذ في الربع الثاني 2025.

وأسهم هذا الاندفاع نحو شراء السيارات الكهربائية قبل فرض التعريفات الجمركية، بالإضافة إلى ضغط منفصل من المستهلكين خلال الربع الثالث لطلب السيارات الكهربائية قبل إلغاء الإعفاء الضريبي للمستهلكين بقيمة 7500 دولار في سبتمبر، في دفع مبيعات السيارات الأمريكية إلى 16.3 مليون وحدة في 2025، وهو أعلى مستوى لها منذ 2019، وفقاً لمجموعة كوكس أوتوموتيف للخدمات والبيانات.

وبينما تتوقع المجموعة أن ينخفض هذا الرقم إلى 15.8 مليوناً هذا العام، يرى العديد من المحللين أسباباً للاعتقاد بأن السوق يمكن أن يستمر في تحقيق مبيعات تتجاوز 16 مليون وحدة.

ويشير تايسون جوميني، نائب الرئيس الأول للبيانات والتحليلات في شركة الاستشارات «جيه دي باور»، إلى أن شركات صناعة السيارات وتجارها احتفظوا بهامش كافٍ لتقديم حوافز محسّنة للمشترين، مما يدعم الطلب الذي من المرجح أن يتعزز أيضاً بتخفيضات أسعار الفائدة خلال العام.

وستنتهي مئات الآلاف من عقود الإيجار لمدة ثلاث سنوات، التي وُقعت خلال طفرة مبيعات السيارات الكهربائية قصيرة الأجل، مما سيجذب المشترين مجدداً إلى السوق. وفي رسالتها إلى مساهمي جنرال موتورز الشهر الماضي، كتبت ماري بارا:

«نتوقع أن يظل سوق السيارات الجديدة في الولايات المتحدة قوياً. كما أنه من المرجح أن يعود هامش الربح المعدل للشركة في أمريكا الشمالية من 6.1% العام الماضي إلى نطاق 8 ـ 10% هذا العام

. وأبلغ جيم فارلي موظفي فورد هذا الشهر أنه سيزيد المكافآت على مستوى الشركة للموظفين برواتب ثابتة بعد تحسينات في جودة السيارات، لكن آخرين يحذرون من أن الصناعة لم تتجاوز الأزمة بعد. ويقول كولين شو، رئيس رابطة مصنعي السيارات والمعدات التجارية التي تمثل موردي السيارات، إنه على الرغم من أن «الجميع قد أسهم» خلال العام الماضي في تقاسم عبء الرسوم الجمركية وحماية المستهلكين من الارتفاعات الحادة في أسعار السيارات.

إلا أن العمل الشاق المتمثل في إعادة توجيه البصمة التصنيعية لشركات صناعة السيارات لم يبدأ بعد بشكل جدي بسبب حالة عدم اليقين المستمرة بشأن السياسات الجمركية الحكومية.

ويشير كولين شو كذلك إلى القلق البالغ الذي يحيط بإعادة التفاوض هذا العام على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، وسط تقارير عديدة تفيد بأن ترامب يدرس الانسحاب من الاتفاقية بالكامل.

ويقول شو إن انهيار الاتفاقية سيكون «كارثياً» على الصناعة. لكنه يضيف أنه حتى في حال تجديدها بشكل ما، فسيكون هناك «اندفاع محموم» لتنفيذ خطط جديدة للتوريد والتصنيع، والتي تعطلت بسبب حالة عدم اليقين السياسي.

وسيؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط على هوامش الربح في وقت قد تتعثر فيه أيضاً الاستراتيجيات الأخرى التي تتبناها شركات صناعة السيارات لحماية ربحيتها.

فلسنوات، دأبت الشركات المصنعة على تقديم عدد أقل من الطرازات الأصغر حجماً والأقل تكلفة للمستهلكين الأمريكيين، بالإضافة إلى الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي الأكبر حجماً - وهو تحول مدفوع بطلب المستهلكين على المركبات الأكبر حجماً وسعي شركات صناعة السيارات لتحقيق هوامش ربح أعلى.

وقد تسارع هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة، حيث استجابت شركات صناعة السيارات لتخفيضات الإنتاج في عصر (كوفيد 19) من خلال تجهيز المركبات الأكبر حجماً بتجهيزات وميزات أكثر تكلفة، ومرة أخرى في العام الماضي عندما تعرضت الصناعة لضغوط من تعريفات ترامب الجمركية. نتيجةً لذلك، لا تمثل السيارات القياسية سوى 2% من مبيعات فورد في الولايات المتحدة، على سبيل المثال.

ويعني انخفاض عدد السيارات ذات الأسعار المعقولة في السوق أن العديد من الأمريكيين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، والذين يعانون من ضغوط ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الفائدة، يتم استبعادهم تماماً من سوق السيارات الجديدة.

ويضع هذا شركات صناعة السيارات أمام خيارين: إما بذل المزيد من الجهود لتلبية طلب المستهلكين على طرازات بأسعار معقولة وتحمل تأثير ذلك على هوامش الربح، أو الاستمرار في إنتاج طرازات أكبر حجماً وأفضل تجهيزاً وأعلى ربحية لشريحة أصغر من المستهلكين الأكثر ثراءً الذين لا يتأثرون بارتفاع الأسعار.

ويكمن قلق شركات صناعة السيارات في ديترويت في أنه إذا لم تبدأ بإنتاج سيارات بأسعار معقولة للمستهلكين الأمريكيين، فسيفعل ذلك المنافسون الأجانب. وتقليدياً، كان هذا التهديد يأتي من المنافسين اليابانيين والكوريين، الذين أنشأوا مصانع في الولايات المتحدة .

بالإضافة إلى استيراد السيارات من الخارج. وحققت تويوتا زيادة في مبيعاتها بالولايات المتحدة 8% العام الماضي، وسط ارتفاع الطلب على طرازاتها الهجينة، بينما حققت هيونداي حصة سوقية قياسية عام 2025 وتوسع إنتاجها في الولايات المتحدة.

لكن شبح المنافسة الصينية هو ما يقلق فعلياً مسؤولي صناعة السيارات الأمريكية أكثر من غيره، وهو قلق ازداد حدةً بعد تصريح ترامب خلال زيارته لديترويت بأنه «يتمنى» أن تقوم الشركات الصينية بتصنيع وبيع السيارات في الولايات المتحدة.

وإضافة إلى تصريحات ترامب، تفاوض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الشهر الماضي على اتفاقية مع بكين تسمح باستيراد 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى كندا سنوياً برسوم جمركية زهيدة، وهي خطوة وصفتها أوتاوا بأنها خطوة أولى نحو إنتاج مشترك صيني ـ كندي شمال الحدود.

وصرح أحد كبار المسؤولين في قطاع صناعة السيارات لصحيفة فايننشال تايمز بأنه في حين أن الرسوم الجمركية الأمريكية وغيرها من اللوائح قد تمنع، نظرياً، دخول السيارات الصينية إلى السوق الأمريكية إلى أجل غير مسمى، فإن هذا الاعتماد طويل الأمد على الحمائية سيجعل السيارات الأمريكية الصنع غير قادرة على المنافسة في الخارج وفي نهاية المطاف في الداخل.