من يضع قواعد الذكاء الاصطناعي داخل أروقة الصراع المحتدم في أمريكا؟

جو ميلر - جورج هاموند

كان أليكس بوريس في طريقه إلى حفل عشاء في نوفمبر الماضي عندما تلقى معلومات تفيد بأن حفنة من مليارديرات وادي السيليكون ينفقون مبالغ طائلة لمنعه من أن يصبح النائب الديمقراطي القادم عن وسط مانهاتن في الكونغرس.

وقال بوريس، الذي قاد العام الماضي، بصفته ممثلاً للولاية، الجهود المبذولة لتمرير قانون نيويورك التاريخي لسلامة الذكاء الاصطناعي: «لم أتفاجأ بالمرة».

مشيراً إلى أن «قيادة المستقبل»، وهي الجهة المدعومة من الصناعة والتي اختارته هدفاً أول لها في هذه الدورة الانتخابية، تعتبره «العقبة الأكبر أمام سعيها للسيطرة المطلقة على العامل الأمريكي، وعلى أطفالنا، وعلى فواتير الخدمات، وعلى مناخنا».

ويعد انتخاب موظف شركة بالانتير السابق، والذي يهيمن عليها النزاع الوطني حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، واحداً من عدة انتخابات نصفية مرشحة لتصبح ساحة معركة حول مستقبل هذه التكنولوجيا الناشئة.

وبحسب تحليل لصحيفة فايننشال تايمز، نجحت جماعات مؤيدة ومعارضة لتشديد قوانين الذكاء الاصطناعي في جمع ما لا يقل عن 265 مليون دولار أمريكي، معظمها من جهات مانحة من الشركات.

وهذا المبلغ يزيد بمقدار 100 مليون دولار أمريكي عما جمعته حملات جمع التبرعات للأحزاب الرئيسية في انتخابات مجلس النواب حتى هذا الوقت من عام 2022.

ومن المتوقع أن تعيد هذه الحملة المكثفة للإنفاق التي تستهدف انتخابات تمتد من نيويورك إلى تكساس تشكيل الكونغرس، وقد تهدد قدرة الرئيس دونالد ترامب على الحكم.

وتعد «قيادة المستقبل» (Leading the Future)، وهي لجنة عمل سياسي مدعومة من مانحين لترامب، من بينهم المؤسس المشارك لشركة «أوبن أيه آي»، جريج بروكمان، وعمالقة رأس المال الاستثماري أندريسن هورويتز، والمؤسس المشارك لشركة بالانتير، جو لونسديل، القوة الأكبر في هذا الصدد.

ويزعم قادتها أن قوانين الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات «ستخنق الابتكار، وستمكّن الصين من تحقيق التفوق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي».

وسعياً لتكرار نجاح «فيرشيك»، وهي لجنة عمل سياسي أنفقت 135 مليون دولار لدعم المرشحين المؤيدين للعملات المشفرة في الدورة الانتخابية الأخيرة، جمعت قيادة المستقبل أكثر من 125 مليون دولار خلال العام الماضي.

في غضون ذلك، حذرت «ميتا»، بقيادة مارك زوكربيرغ، من «تزايد التضارب في اللوائح التنظيمية التي تهدد الابتكار المحلي والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي».

لذلك تستعد الشركة لإنفاق ما لا يقل عن 65 مليون دولار على مستوى الولايات لدعم عدد من المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين في الانتخابات المحلية.

وهناك أيضاً العديد من الجهات المانحة الكبيرة الأخرى على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة، حيث قامت «بيلدينج أمريكا فيوتشر»، وهي منظمة غير ربحية كانت مدعومة سابقاً من إيلون ماسك، بتمويل حملة إعلانية ضخمة في ديسمبر لحث الكونغرس على منع تشريعات ذات صلة من جانب الولايات.

أما المنافس الأقوى تمويلاً في قطاع الذكاء الاصطناعي فهو «ببليك فيرست أكشن»، الذي يمول لجنتين للعمل السياسي: «جوبز أند ديموكراسي»، التي تدعم المرشحين الديمقراطيين، و«ديفيندينج أور فالوز»، التي تدعم الجمهوريين.

والجهة المانحة الوحيدة المعلنة لمنظمة «ببليك فيرست أكشن» هي شركة «أنثروبيك»، الشركة الرائدة الوحيدة في مجال الذكاء الاصطناعي التي تدعم تشديد الرقابة على هذه التقنية.

وقد كشفت «أنثروبيك» في وقت سابق من هذا الشهر عن تبرعها بمبلغ 20 مليون دولار للمنظمة، قائلة إنها تعتقد بأن «الحوكمة الفعّالة للذكاء الاصطناعي تعني مزيداً من التدقيق في شركات مثل شركتنا، لا العكس». وتهدف «ببليك فيرست» إلى جمع ما يصل إلى 75 مليون دولار إجمالاً.

وقد دفع انخراط «أنثروبيك» خصوم «ببليك فيرست» إلى تصويرها على أنها ذراع ضغط لمبتكر «كلود» وليست حركة شعبية. يقول جوش فلاستو، الرئيس المشارك للجنة «قيادة المستقبل»: «إنه صراع رؤى، لكن رؤيتهم للعالم مستمدة من شركة واحدة».

كما هاجمت «قيادة المستقبل» حملة «ببليك فيرست»، واصفةً إياها بأنها «شبكة تمويل غامضة» ذات «أجندة أيديولوجية لتركيز السيطرة على الذكاء الاصطناعي في أيدي حفنة صغيرة من النخب، وأنها ممولة من قبل أنصار حركة «الإيثار الفعّال»، الذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً وجودياً للبشرية».

وقال أنتوني ريفيرا رودريغيز، المتحدث باسم حملة «ببليك فيرست»: «معارضونا محقون في أن لدى «ببليك فيرست» أجندة، لكن أجندتنا باختصار هي: حماية الأطفال والعمال والعائلات من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وانتخاب مرشحين يدعمون وضع ضوابط عليه.

أي شيء آخر ما هو إلا تشتيت للانتباه عما تسعى إليه لجنة «قيادة المستقبل» في هذه الانتخابات: ذكاء اصطناعي بدون أي قيود».

وقال شخص آخر مقرب من «ببليك فيرست» إنها مدعومة من مجموعة واسعة من المانحين. وأضاف: «إن تصوير تنظيم الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد اعتقاد خاص بفئة معينة من مؤيدي الذكاء الاصطناعي بعيد كل البعد عن الحقيقة، استناداً إلى جميع استطلاعات الرأي التي اطلعنا عليها».

وتستعد جماعات أخرى تؤيد المزيد من تنظيم الذكاء الاصطناعي لترك بصمتها في انتخابات التجديد النصفي أيضاً. لذلك، ينفق معهد مستقبل الحياة، وهو منظمة غير ربحية مدعومة بأكثر من 660 مليون دولار من فيتاليك بوتيرين، الشريك المؤسس لمنصة إيثيريوم، 8 ملايين دولار على حملة إعلانية تلفزيونية «داعمة للإنسانية» في الولايات المتأرجحة، بما في ذلك أيوا، وكنتاكي، ومين، وميشيغن، وكارولاينا الشمالية.

وقال أنتوني أغيري، الرئيس التنفيذي لمعهد مستقبل الحياة: «بافتراض أن الحملة تسير على ما يرام، سنواصل الإنفاق على الإعلانات».

في حين لم تواجه لجان العمل السياسي المؤيدة للعملات المشفرة معارضة شعبية تذكر في الدورة الانتخابية السابقة، يجد دعاة تسريع الذكاء الاصطناعي، الذين يضخون الأموال في انتخابات التجديد النصفي، أنفسهم أمام قلق متزايد لدى الرأي العام الأمريكي بشأن الآثار السلبية لهذه التقنية.

وأظهر استطلاع رأي تم إجراؤه لصالح صحيفة «فايننشال تايمز» أن ثلثي الأمريكيين قلقون بشأن التطور السريع للذكاء الاصطناعي، وأن 76% منهم يعتقدون بضرورة تنظيمه، وهو رأي يتوزع بالتساوي تقريباً بين مختلف الأطياف السياسية.

وفي وسط مانهاتن، رسخ أليكس بوريس نفسه شخصية شعبوية، متقبلاً دوره كخصم لدود للجنة «قيادة المستقبل». وقد جمع الشاب البالغ من العمر 35 عاماً أكثر من 2.2 مليون دولار في ثلاثة أشهر فقط من خلال حملة تبرعات ركزت على تعرضه لهجوم من «كبار المتبرعين لحملة ترامب».

وفي إشارة إلى أن الإعلانات الهجومية ضده ربما ألحقت به ضرراً أكبر من النفع، تحولت «قيادة المستقبل» إلى خطاب أكثر إيجابية، فأنفقت 5 ملايين دولار لدعم المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية فلوريدا، بايرون دونالدز، وأطلقت حملات إعلانية لدعم كريس غوبر، المحامي السابق لإيلون ماسك، والمرشح لعضوية الكونغرس عن ولاية تكساس.

وأطلقت منظمة «العمل العام أولاً» حملة إعلانية لدعم السيناتور الجمهورية عن ولاية تينيسي، مارشا بلاكبيرن، التي رعت مشاريع قوانين تتعلق بسلامة الأطفال في ظل الذكاء الاصطناعي، في إطار سباقها الانتخابي لمنصب حاكم الولاية.