كاتي مارتن
ماتت استراتيجية التداول المتفائلة بدونالد ترامب. ولتحيا الآن الاستراتيجية المناهضة. فأينما نظرت في الأسواق المالية، ترى دلائل على أن المستثمرين العالميين يبذلون قصارى جهدهم لتجنب أمريكا في عهد دونالد ترامب.
ولا يشعر مديرو الصناديق بالضيق، بل على العكس تماماً، فمستويات الحماس العام للأصول عالية المخاطر هي نفسها تقريباً الآن كانت مباشرة بعد فوز الرئيس بولاية ثانية في نهاية عام 2024، وذلك استناداً إلى استطلاعات رأي المستثمرين.
لكن مصدر هذا الحماس، وكيفية تجليه في الأسواق، يثير قلقاً بالغاً. في ذلك الوقت، كان الأمر عبارة عن موجة من التباهي بإدارة أمريكية جديدة مستعدة لرفع القيود وتحفيز الاقتصاد لتحقيق هيمنة لا يمكن إيقافها على الاقتصاد العالمي والأسواق العالمية.
كما كان يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها تسير على الطريق الصحيح لامتصاص النمو الاقتصادي من بقية العالم المتقدم، مما يؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار وتوسيع الفجوة بين أداء الأسهم الأمريكية المزدهر والوضع الكئيب في أماكن أخرى.
الآن، بعد فترة دخولنا العام الثاني من ولاية ترامب الثانية، نرى وضعاً مختلفاً تماماً. لا يزال التفاؤل قائماً، لكن في أماكن مختلفة تماماً. وأسهل مقياس لذلك هو أداء سوق الأسهم.
حيث يشهد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأمريكي القياسي انخفاضاً طفيفاً هذا العام، متذبذباً بين الصعود والهبوط بشكل ممل ضمن نطاق ضيق غير معتاد منذ أواخر ديسمبر.
وعادةً، ما يعكس هذا حالة من التوتر العالمي. وهذه المرة، يتركز التوتر بشكل مباشر على الولايات المتحدة، بسبب الضغوط في قطاع التكنولوجيا الحيوي فيها واختلال السياسات. أما الأسواق الأوروبية والآسيوية، فوضعها جيد عموماً.
لقد ارتفعت الأسهم العالمية، المقاسة بمؤشر «إم إس سي آي» العالمي واسع الانتشار، بنسبة 2% حتى الآن في عام 2026. وهذا أداء جيد، بل إننا إذا استبعدنا الولايات المتحدة، فإن الارتفاع سيكون كبيراً وبنسبة 9%. وهكذا، من المجدي تجنب الأسواق الأمريكية في الوقت الحالي، فحتى الآن هذا العام، كانت هذه الأسواق مخيبة للآمال.
ويبدو أن هذا العام سيكون الأسوأ بالنسبة للأسهم الأمريكية مقارنة ببقية العالم منذ عام 1995 على الأقل. ولم يتضح بعد مدى تأثير التراجع الأخير لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي، لكن موجة القلق المتزايد بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على قطاع التكنولوجيا الأوسع نطاقاً تُسهم بلا شك في ترجيح كفة الميزان لصالح أوروبا على حساب الولايات المتحدة.
وفي عام 2025، كان التوجه نحو عودة اعتماد المستثمرين العالميين على الولايات المتحدة - التي شكلت حجر الزاوية لمعظم المحافظ الاستثمارية على مدى العقود الماضية - أقرب إلى المفهوم منه إلى الواقع. أما الآن.
فتُظهر استطلاعات الرأي الدورية للمستثمرين التي يجريها «بنك أوف أمريكا» أكبر زيادة في تخصيص الأصول باليورو على الإطلاق، في عملية إعادة توازن عالمية ملحوظة.
ويشير الاستطلاع الأوروبي للبنك إلى أن أكثر من ثلث المستثمرين يُخصصون الآن نسبة أعلى من استثماراتهم في أسهم الاتحاد الأوروبي مقارنة بالمؤشرات المرجعية، بعد أن كانت النسبة 9% فقط قبل ثلاثة أشهر.
وفي المقابل، أفاد 22% من المستثمرين أن نسبة استثماراتهم في الولايات المتحدة أقل من النسبة المرجعية، بعد أن كانت النسبة 6 % فقط في نهاية عام 2025. وهكذا، يبدو أن ردة الفعل السلبية حقيقية بالفعل.
ولا تتدفق الأموال بوضوح خارج الأسواق الأمريكية، لكن المصرفيين والمستثمرين يقولون إن الأموال الجديدة التي تتدفق إلى النظام المالي تبحث عن وجهات استثمارية جديدة.
ومن الغريب أنه حتى عندما تم تقييد صلاحيات ترامب، كما حدث بشأن الرسوم الجمركية الأسبوع الماضي، لم تنتعش الأسواق الأمريكية، لكن عموماً يمضي العالم قدماً ببطء ولكن بثبات.
وأوروبا ليست هي المستفيد الوحيد، لكنها من بين المستفيدين الرئيسيين. ويشبه صندوق إدارة الأصول الفرنسي كارمينياك هذا الوضع بصحوة «الجميلة النائمة»، حيث تساعد مجموعة من العوامل الهيكلية والاقتصادية ما يسمى بـ«القارة العجوز».
ويتم ضخ مبالغ قياسية إلى صناديق الأسهم الأوروبية من المستثمرين الذين يتطلعون إلى تنويع محافظهم بعيداً عن التكنولوجيا وحماية أنفسهم من المخاطر السياسية الأمريكية المحلية.
كذلك، يتفاءل المستثمرون والمحللون بأن الاقتصاد الألماني أخيراً بدأ يتعافى مع تنفيذه لخططه لإنفاق مالي إضافي ضخم، والذي كان معلقاً إلى حد كبير منذ الإعلان عنه قبل عام.
واستطلاعات رأي قطاع الأعمال في منطقة اليورو ليست مبهرة، لكنها مشجعة. فقد أظهر تحليل بيانات حديثة نُشرت الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الأمريكي ينمو بوتيرة أبطأ بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، بمعدل سنوي ضعيف يبلغ 1.4%، وهو معدل يُشبه معدلات النمو في أوروبا.
لقد كان الاعتماد الكبير على الأداء المتميز لقطاع التكنولوجيا عاملاً أساسياً في معجزة الاستثمار الأمريكية التي شهدها العقد الماضي تقريباً. والآن، يتعثر هذا الاقتصاد في الوقت الذي تتعرض فيه البيانات الاقتصادية لضغوط كبيرة، وتتأرجح فيه الأوضاع السياسية من أزمة إلى أخرى.
يُعبّر المستثمرون عن رأيهم من خلال استثماراتهم. وإن إعادة الهيكلة الكبرى، التي غالباً ما يتجاهلها مديرو الأموال في الولايات المتحدة، تحدث بوضوح تام، سواء رغبوا في ذلك أم لا.