هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحررنا من «طغيان» البريد الإلكتروني؟

كلارا موراي

كان معاني صفا يقضي ساعات طويلة مساء كل جمعة في قراءة مئات الرسائل الإلكترونية غير المقروءة خلال الأسبوع الماضي. لكن الآن، اختصر الرئيس التنفيذي للتسويق الرقمي هذا الوقت إلى أقل من 30 دقيقة، بفضل نظام عمل مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

أولاً: تقوم أداة مخصصة من «شات جي بي تي» بمسح صندوق الوارد لانتقاء الرسائل المهمة وتلخيصها، مقترحة مسودة رد لكل منها، ثم يستخدم صفا هذه الاقتراحات لإملاء الردود على أداة ذكاء اصطناعي أخرى تسمى «ويسبر فلو»، التي تُحولها إلى رسائل إلكترونية منسقة بشكل أنيق ومناسبة من حيث الأسلوب.

ويقول صفا عن النظام الذي صممه بنفسه: «إنه تغيير كبير حقاً. هذا النظام أصبح امتداداً لي، وليس مجرد أداة تُولد رسائل غير مرغوب فيها تلقائياً».

إن البريد الإلكتروني، المنتشر في كل مكان، والمستهلك للوقت، وغير المحبب عموماً، يعد ساحة اختبار سريعة لقدرة الذكاء الاصطناعي المروّج لها على تعزيز الإنتاجية.

وخلال العام الماضي، تم إطلاق عشرات المنتجات التي تعد بتبسيط إدارة البريد الوارد، وبالتالي استعادة ساعات من الوقت تُهدر حالياً في أنشطة إدارية مملة وغير مثمرة في كثير من الأحيان.

وفي يناير، أطلقت غوغل مساعدها الذكي «جيميني إيه آي» لجميع مستخدمي «جي ميل» الذين يبلغ عددهم المليارات، واصفة إياه بأنه «مساعد شخصي استباقي للبريد الوارد لمساعدتك في إدارة حياتك».

ويستطيع هذا المساعد تلخيص سلاسل البريد الإلكتروني الطويلة، وصقل الرسائل أو كتابة مسودات لها، وإنشاء قوائم مهام من رسائل البريد الإلكتروني، وتذكير المستخدمين بالمهام أو الفواتير.

كما قامت مايكروسوفت، من جانبها، بدمج مساعدها «كوبايلوت» مع «أوت لوك»، ما يساعد المستخدمين في تحديد أولويات بريدهم الوارد وجدولة المواعيد، إضافة إلى ميزات أخرى.

وتقول كوليت ستالباومر، المديرة العامة لـ«كوبايلوت»، إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحرر الموظفين من «عبء» المهام الإدارية.

وقد وجدت دراسة أجرتها مايكروسوفت العام الماضي أن الموظف العادي يتلقى 117 رسالة بريد إلكتروني و153 رسالة عبر «تيمز» يومياً، بينما تُظهر بيانات الاتحاد الأوروبي أن غالبية الموظفين الحاصلين على شهادات جامعية يقضون نصف يومهم على الأقل في الاتصالات الرقمية.

وتضيف ستالباومر: «وصل العمل المعرفي إلى ذروة عدم الكفاءة»، مشيرة إلى أن هذا الكم الهائل من المعلومات، إضافة إلى تمديد ساعات العمل المكتبية إلى ما يشبه يوم عمل لا نهاية له، يجعل اليوم «مجزأ وفوضوياً».

فقد وصل صافي وقت ساعة العمل الأساسية إلى دقيقتين فقط بسبب كثرة المقاطعات من اجتماع مفاجئ أو بريد إلكتروني أو رسالة نصية. وتتابع: «إن حجم وتشتت الاتصالات الرقمية يرهق الناس. والفرصة المتاحة لنا هي أن يسهم الذكاء الاصطناعي في حل هذه المشكلة».

وقد أطلقت بالفعل كل من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تكاملات مع مزودي خدمة البريد الإلكتروني، ما يسمح لروبوتات الدردشة بالإجابة عن أسئلة المستخدمين، مثل:

«متى أرسل لي مديري آخر بريد إلكتروني؟»، أو «ما هي رسائلي غير المقروءة الأكثر إلحاحاً؟». كما توفران «وكلاء» ذكاء اصطناعي قادرين على التحكم في المجلدات داخل جهاز المستخدم أو متصفح الإنترنت الخاص به لتنفيذ مجموعة واسعة من المهام، بما في ذلك البريد الإلكتروني.

بموازاة ذلك، يعمل عدد كبير من الشركات الناشئة على تطوير أدوات إنتاجية للبريد الإلكتروني مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وبحسب موقع «ديل روم»، استقطبت 85 شركة على الأقل متخصصة في مساعدي البريد الإلكتروني المدعومين بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأدوات العامة، مثل منتجات «سوبر هيومان» و«ريد إيه آي» الجديدة، وتلك المتخصصة في مجالات محددة، كالمبيعات، تمويلاً إجمالياً قدره 581 مليون دولار حتى الآن.

ومن بين أكبر هذه الشركات شركة «فيكسر Fyxer» الناشئة، ومقرها لندن، التي جمعت نحو 40 مليون دولار، ونشأت من مشروع مؤسسها السابق الذي كان يربط الأفراد بمساعدين تنفيذيين بشريين.

ويقول الرئيس التنفيذي، ريتشارد هولينجسورث، إن هذا الأمر منح الشركة فهماً دقيقاً لاحتياجات المحترفين من مساعد البريد الإلكتروني. وتسعى الشركة إلى استهداف القطاعات التقليدية التي «يهيمن عليها البريد الإلكتروني بشكل كبير». وكانت شركة «نايت فرانك» العقارية من أوائل العملاء.

وتقول كاتي كاميرون، وهي وكيلة عقارات في تشيستر، إن «فيكسر» أثبت أنه ذو قيمة كبيرة في مساعدتها على إدارة تسعة صناديق بريد عبر شركات العقارات الثلاث التي تشارك في إدارتها.

حيث يقوم تلقائياً بتصنيف رسائل البريد الإلكتروني إلى فئات مثل «للعلم»، و«في انتظار الرد»، ويأخذ المعرفة من المحادثات السابقة في الاعتبار لاقتراح الردود وإنشاء دعوات التقويم وتحديد أولويات صندوق البريد الوارد الخاص بها.

وتضيف: «يتعلم البرنامج مع تكرار الاستخدام، وهذا رائع. أحياناً أتركه يفكر نيابة عني. إنه يوفر عليّ الآن عدة ساعات أسبوعياً».

على الجانب المقابل، يتردد آخرون في الوثوق بهذه التقنية تماماً، فقد تخلى مارك طهراني، مؤسس شركة ناشئة في مجال الأمن السيبراني وأكاديمي، عن تجربة منح برنامج «شات جي بي تي» إمكانية الوصول إلى بريده الوارد بعد أن حذف البرنامج رسالة مهمة عن طريق الخطأ.

وأقرت شركة «أوبن إيه آي» بأن «شات جي بي تي» يبقى في مراحله الأولى و«لا يزال عرضة للخطأ».

وتحذر كيم أرنولد، مدربة كتابة رسائل البريد الإلكتروني للأعمال، من أن المتلقين قد يشعرون «بالاستخفاف» بالرسائل المصطنعة بشكل واضح. وتقول:

«قد نتمكن من إرسال بريد إلكتروني في نصف الوقت، لكن هذا قد يخلق مشاكل إذا لم تكن الجودة عالية». وبالفعل، فإن سهولة إنتاج كميات هائلة من رسائل البريد الإلكتروني تجعل التعامل مع صناديق البريد الوارد لدى الكثيرين أكثر صعوبة.

ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين في قطاع التكنولوجيا، يُعد البريد الإلكتروني مجرد خطوة أولى نحو الهدف الحقيقي: مساعدون شخصيون مستقلون يعملون بالذكاء الاصطناعي.

يقول ويل ماكيون-وايت، محلل التكنولوجيا في شركة فورستر للأبحاث، وهي مجموعة بحثية أمريكية متخصصة في التكنولوجيا، إن هذا يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في أنظمة الكمبيوتر بأكملها بدلاً من تطبيقات محددة.

ويشير إلى أن ما هو أقل وضوحاً حتى الآن هو مدى وجود طلب على مثل هذه الأنظمة، فالكثيرون يخشون حتى الآن منح الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى كل شيء على أجهزتهم.

وبصفة شخصية، فإنني أعاني من إهمال شديد في إدارة بريدي الإلكتروني، خاصة تلك العادة السيئة المتمثلة في إلقاء نظرة سريعة على الرسائل الجديدة على هاتفي، مع إقناع نفسي بأنني سأرد عليها عند عودتي إلى حاسوبي المحمول.

وبعد ذلك تختفي الرسالة، منسية، في أعماق صندوق الوارد. وقد أنقذتني ميزة «التنبيهات» التلقائية في «جي ميل»، التي تُعلّم الرسائل التي تنتظر الرد لعدة أيام، مرات لا تُحصى، فهل يمكن لأداة أكثر تطوراً أن تعالج فوضويتي الدائمة؟

لذلك قضيت أسبوعاً في تجربة ثلاثة خيارات: أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة «فيكسر» و«سوبرهيومان» وتكامل «شات جي بي تي» مع «جي ميل».

وقد وجدت أن «فيكسر» يرتبط بسلاسة مع حسابي على «جي ميل»، وقام بعمل ممتاز في تصنيف رسائلي بدقة باستخدام فئات مثل «للعلم» دون أي تنبيه. لكن هذه السلاسة بالذات هي التي جعلتني أتجاهله بسهولة.

وعندما مر الأسبوع، بالكاد لاحظتُ غيابه، لذلك توصلت إلى نتيجة مفادها أنه سيكون هو الأنسب على الأرجح لمن يعانون من كثرة الرسائل، وليس من مشكلة النسيان، مع أن شركة «فيكسر» تقول إنها أطلقت ميزة لمساعدة المستخدمين على متابعة الرسائل.

من جانبه، قام تطبيق «سوبرهيومان» بتصنيف بريدي الوارد واقتراح ردود، لكن بواجهة مختلفة تماماً تعرض رسالة واحدة في كل مرة وتُنظّم سلاسل الرسائل الطويلة.

كان هذا رائعاً في إزالة عوامل التشتيت وحثّي على الرد فوراً.مع ذلك، كان من الصعب تحديد دور «الذكاء الاصطناعي»، كما أن سعره بدا باهظاً مقابل ما هو في الأساس تحسين في العرض.

وفيما يخص الردود المقترحة، وفّر عليّ كلا التطبيقين بضع دقائق من كتابة عبارات بسيطة مثل «شكراً» أو «أتحدث إليك لاحقاً»، لكنهما غالباً ما أغفلا تفاصيل مهمة، أو حتى جوهر سلسلة الرسائل، لذا لم أثق بهما في أي شيء أكثر تعقيداً.

أخيراً، فإن تجربة ربط حساب بريدي الإلكتروني بـ«شات جي بي تي»، عبر حسابي المؤسسي، كانت محبطة، فقد طلبتُ منه تنبيهي بالرسائل التي لم أرد عليها، وتلخيص آخر المحادثات حول موضوع معين.

لكن ملخصاته كانت أحياناً أطول من الرسالة الأصلية، وكثيراً ما كان يُخطئ، فيشير إلى الرسائل نفسها مراراً وتكراراً. مع ذلك، فقد لاحظ موعداً نهائياً قريباً محدداً لي لكتابة مقال، واختار بدقة الرسائل ذات الصلة.

بالتأكيد، كان بإمكاني على الأرجح تخصيص المزيد من الوقت لتحسين إعدادات التنبيهات، لكن في رأيي هذا يُفقد أداة «الكفاءة» جدواها. وعموماً، تقول «أوبن إيه آي» إن تطبيقات «شات جي بي تي لا تزال في مراحلها الأولى»، وإنها تعمل على تحسين موثوقيتها مع ازدياد عدد مستخدميها.

هكذا، وللأسف، قد يكون التخلص من عاداتي السيئة في البريد الإلكتروني أمراً عليّ القيام به بنفسي في الوقت الحالي على الأقل.