روبرت أرمسترونغ
انخفضت أسهم العديد من الشركات التي قد تكون عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوساطة المالية، تماشياً مع النمط السائد مؤخراً، وشملت القائمة شركات البرمجيات، وإدارة الأصول، وانضمت إليها البنوك للمرة الأولى.
والتفسير الشائع لهذه المخاوف المتجددة هو مجرد منشور على مدونة «سيتريني» للأبحاث حول إمكانية تسبب الذكاء الاصطناعي في تسريح العديد من أصحاب الدخل المرتفع وانهيار الاقتصاد.
وفي هذا السياق، قالت صحيفة فايننشال تايمز: «استغل المستثمرون مؤخراً شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي وتطورات طفيفة لشركات ذكاء اصطناعي صغيرة لتبرير المزيد من عمليات البيع، خاصة بعد أن انتشر منشور على مدونة سيتريني للأبحاث على نطاق واسع خلال عطلة نهاية الأسبوع، يصف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي نظرياً أن يرفع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى أكثر من 10% بحلول عام 2028.
الأمر المدهش ليس مضمون المنشور، بل وصول سوق الأسهم إلى مرحلة تتسبب فيها منشورات المدونات في تحركات كبيرة في أسعار الأسهم، أو على الأقل هذا ما يعتقده كثيرون.
صحيحٌ أن الأسواق تشهد أحياناً انخفاضات حادة لأسباب غامضة أو شبه مجهولة، وقد تكون هذه إحدى تلك الحالات. على أي حال، فإن ضجة سيتريني تعد دليلاً إضافياً على أننا في سوق مُبالغ في تقييمها، تبحث عن ذريعة للهبوط، ولأسباب تتجاوز مجرد الذكاء الاصطناعي.
لكن ما الذي لفت انتباه الأسواق إلى هذا المنشور؟ يتناول المنشور سيناريوهات مستقبلية لعدة سنوات، مُستعرضاً ركوداً وأزمة مالية حدثتا بالفعل. ويبدأ المنشور بعبارة: «ما يلي هو سيناريو، وليس تنبؤاً.. والهدف الوحيد من المقال هو وضع نموذج لسيناريو لم يُدرس بشكل كافٍ».
لكن الحقيقة عكس ذلك. فقد انتشر المنشور لأنه يُمثل نسخة متطرفة من أحد أكثر السيناريوهات تكراراً على مر التاريخ: انقلاب الروبوتات على مُصمميها. فقد تمّ استكشاف هذا الموضوع بشكلٍ مُفرط منذ أن قدّم كارل تشابيك مصطلح «الروبوت».
وفي اللحظة نفسها، تنبأ بأنّ الروبوتات قد تُسبّب الكثير من المشاكل. كان ذلك منذ أكثر من مئة عام. بل قبل ذلك بأكثر من قرن، استكشف بعض النساجين في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، تحت راية الجنرال الخيالي نيد لود، هذا الموضوع. وقاموا بتخريب بعض مصانع النسيج.
ننتقل الآن إلى محور المقال. السيناريو الرئيسي هو أنّ الذكاء الاصطناعي يُدمّر الوظائف والدخل، ولا يُعوّضها، ما يدفع الاقتصاد إلى الركود والأسواق إلى أزمة:
شهد مالكو أجهزة الكمبيوتر تضخّماً هائلاً لثرواتهم مع تلاشي تكاليف العمالة. في الوقت نفسه، انهار نمو الأجور الحقيقية، وفقد الموظفون وظائفهم لصالح الآلات، واضطروا إلى شغل وظائف ذات أجور أقل. وعندما بدأت تظهر بوادر الخلل في الاقتصاد الاستهلاكي، شاع مصطلح «الناتج المحلي الإجمالي الوهمي» بين خبراء الاقتصاد:
وهو الناتج الذي يظهر في الحسابات القومية، لكنه لا يُتداول في الاقتصاد الحقيقي. وتباطأت سرعة تداول النقود، وتراجع الاقتصاد الاستهلاكي الذي كان يُمثل 70% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي كان يتمحور حول الإنسان.
في الوقت نفسه، تحسنت قدرات الذكاء الاصطناعي، وقلّت حاجة الشركات إلى العمال، وزادت عمليات تسريح الموظفين، وانخفض إنفاق العمال المُسرّحين، ودفع ضغط هوامش الربح الشركات إلى زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تحسن قدرات الذكاء الاصطناعي. إنها حلقة مفرغة سلبية بلا رادع طبيعي.
وتكمن المفارقة في أن بنية الذكاء الاصطناعي التحتية استمرت في العمل بكفاءة حتى مع تدهور الاقتصاد الذي كانت تُحدث فيه تغييراً جذرياً. وكانت شركة «إنفدا» لا تزال تُحقق إيرادات قياسية، كما كان نظام «تي إس إم» لا يزال يعمل بأكثر من 95% من طاقته الإنتاجية.
وكانت شركات الحوسبة السحابية العملاقة لا تزال تنفق ما بين 150 و200 مليار دولار أمريكي كل ربع سنة على النفقات الرأسمالية لمراكز البيانات. أما الاقتصادات التي انحرفت تماماً عن هذا الاتجاه، مثل تايوان وكوريا، فقد حققت أداءً مذهلاً.
لقد لاحظتُ شيئاً غريباً في هذا السيناريو، لكنني عجزتُ عن تحديد ماهيته. إذ يبدو الأمر وكأنه تحليل مالي لا يأخذ في الاعتبار سوى جانب واحد من الصفقة («انخفضت أسعار الأسهم لأن عدد البائعين فاق عدد المشترين»، وما إلى ذلك). يتصور منشور سيتريني عالماً يشهد زيادة هائلة في الإنتاجية مصحوبة بانهيار في الاستهلاك. فهل هذا منطقي؟
وقد ساعدني جوزيف شتاينبرغ، الخبير الاقتصادي في جامعة تورنتو، على توضيح حدسي القائل إن شيئاً ما ليس صحيحاً في السيناريو. وقال: أول جزء من الحجة والذي آمل أن يُشير إليه طلابي في الاقتصاد هو ما يتعلق بـ«الناتج المحلي الإجمالي الوهمي». ما معنى أن «يظهر الناتج في الحسابات القومية ولكنه لا يُتداول أبداً في الاقتصاد الحقيقي»؟
وإذا كان الناتج المحلي الإجمالي في ازدياد - مع كل تلك الروبوتات التي تقوم بالمهام بوتيرة متسارعة - فلا بد أن يرتفع شيء ما في الجانب الآخر من معادلة الحساب القومي. وتشمل الاحتمالات الاستهلاك، والاستثمار، والإنفاق الحكومي، أو صافي الصادرات.
أما في سيناريو سيتريني، فإن الاستهلاك يتراجع بسرعة. فهل يرتفع الإنفاق الحكومي بناءً على الضرائب أو الاقتراض من جهة محددة؟ أم الصادرات - إلى دول أخرى تمر بالأزمة نفسها؟ عموما، لا يبدو أيٌّ من ذلك منطقياً.
لذا يبقى فقط الاستثمار، لكن شتاينبرغ يشير إلى أن الاستثمار لا يكون مستداماً إلا على أساس الاستهلاك المستقبلي؛ إذ «لا جدوى من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلا إذا كان هناك دخل لشراء ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي».
لا يعني ذلك أنني أعتقد أن ثورة الذكاء الاصطناعي، مثلها مثل التغيرات التكنولوجية السابقة، ستخلق في النهاية المزيد من فرص العمل وتجعلنا جميعاً أكثر ثراءً. فأنا لا أعتقد ذلك.
لكن ما أقصده هو أن تحليل سيتريني للمخاطر يبدو غير متماسك. باختصار، فقد حقق المنشور انتشاراً واسعاً ليس لأنه يحلل بدقة الوضع الراهن، بل لأنه يُثير مخاوف قديمة.