أوروبا وإمكانية استخدام «نقاط الاختناق» سلاحاً فعالاً ضد القوى المضادة

مارتن ساندبو

تبرز الصحوة الجيوسياسية الكبرى للأوروبيين في إدراكهم، أولاً، لاعتمادهم على قوى أخرى بطرقٍ تكاد تكون تهديداً وجودياً، وثانياً، أن هذه القوى باتت أكثر استعداداً لاستخدام نفوذها الخانق لإخضاع أوروبا لإرادتها.

وظهر هذا الخوف جلياً في البداية تجاه الصين، مع إثارة المخاوف بشأن دور هواوي في شبكات الجيل الخامس، قبل نحو عقد من الزمن. كما كانت الدول المجاورة لروسيا قد حذّرت مُبكراً من احتمالية تعرّضها للسيطرة في ما يتعلق بتدفقات الطاقة، لكن هذا الأمر لم يُصبح مفهوماً على نطاق واسع، إلا بعد إعلانه صراحةً عن استخدام مبيعات الغاز كسلاح في عام 2022.

لكن ما صدم الأوروبيين أكثر، هو انضمام الولايات المتحدة إلى أولئك الذين يُحوّلون اعتماد الأوروبيين عليهم كسلاح.

وأبرز مثال اقتصادي على ذلك، هو تهديدات دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية على الدول التي تُعارض استيلاءه على أراضي غرينلاند. إضافةً إلى ذلك، يشعر الأوروبيون بشدة باعتمادهم على الولايات المتحدة في تزويدهم بالتكنولوجيا العسكرية الاستراتيجية.

وتُشكل هذه الحالات وغيرها، قائمةً من «نقاط الاختناق» - وهي إمدادات السلع والخدمات الحيوية التي تخضع فيها أوروبا لسيطرة المنتجين في أماكن أخرى.

وقد أدى استغلال هذه النقاط كسلاح، إلى ترك أوروبا مُنهكة اقتصادياً وسياسياً، وحتى فلسفياً، نظراً لأن الأوروبيين مارسوا وروجوا للترابط الاقتصادي بجدية أكبر من أي منطقة أخرى في العالم.

ومن الواضح أن القادة الأوروبيين باتوا الآن أكثر يقظة للواقع الجديد، من خلال التقارب حول الاستقلال الذاتي والمرونة، في محاولة لفكّ القبضة الخانقة التي يفرضها الآخرون عليهم.

وهذا رد فعل دفاعي بحت. فالسعي وراء المرونة فقط، يُغفل أي اعتبار للقوة المُعاكسة التي تمتلكها أوروبا نفسها، والتي يُمكنها استخدامها ضد الآخرين.

لكن ثمة شيء أكثر طموحاً بدأ يتبلور. ففي دراسة أُجريت العام الماضي، صرّح مشاركون من صانعي السياسات والصناعة لمعهد مونتين للأبحاث في باريس، بأنهم أقل ثقة في تحقيق الاستقلال الذاتي من ثقتهم في تعزيز «لا غنى» عن أوروبا، لا سيما مع مجموعة من الحلفاء الموثوق بهم (والتي قد تشمل الولايات المتحدة أو لا).

خلصت الدراسة إلى ما يلي: «من خلال تعزيز الريادة الأوروبية في تقنيات أشباه الموصلات المتطورة، يستطيع الاتحاد الأوروبي خلق واستغلال نقاط اختناق يعتمد عليها الآخرون، ما يعزز نفوذه الجيوسياسي.

وعلى وجه التحديد، سيعزز ذلك بدوره الوسائل الأوروبية لردع فرض مقاطعات التصدير، وربما حتى المغامرات العسكرية، من قبل الدول المنافسة».

وتشمل الأدوات المتاحة هيمنة أوروبا على تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، من خلال شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، ويمكن، من خلال السياسات المناسبة، أن تشمل هذه الأدوات في المستقبل رقائق الفوتونيات والكمومية، وفقاً لمعهد مونتين للأبحاث.

ولدى أوروبا مناطق هيمنة في قطاعات أخرى. فقد نشرت مجموعة من الخبراء، تُعرف باسم «فريق عمل أوروبا الجيوسياسي»، الأسبوع الماضي، تقريراً «يحدد 41 نقطة اختناق حرجة تعتمد فيها الصين على الاتحاد الأوروبي في أكثر من 80 % من وارداتها، و67 نقطة اعتماد مماثلة مع الولايات المتحدة.

وتشمل هذه النقاط مدخلات أساسية، بما في ذلك الأنسولين، والوسائط الصيدلانية، والتقنيات الطبية، والآلات المتخصصة للزراعة، وإنتاج الورق، والمعالجة الصناعية».

وقد أصدر مركز الأبحاث الاقتصادية الألماني «ديزرنات زوكونفت»، دراسةً تُبرز أن «أوروبا تمتلك أوراقاً أكثر مما تتصور. فنحن في أوروبا نسيطر على 80 % من واردات الولايات المتحدة من اليورانيوم. كما تهيمن شركة سيمنز على توربينات مراكز البيانات الأمريكية، التي هي في أمسّ الحاجة إليها الآن».

يقدم هؤلاء الباحثون خدمةً جليلةً عبر توضيحهم أن أوروبا أكثر استعداداً لمواجهة الصراعات الجيوسياسية مما قد يتصوره قادتها. ومجرد تحديد الأدوات التي يمكن استخدامها، يُعد خطوةً نحو موقف أكثر حزماً. كما تُقدم هذه الدراسات عدداً من الدروس الإضافية للقادة الأوروبيين.

أحدها هو ضرورة توسيع نطاق الرؤية من «إدارة الشراكات إلى بسط النفوذ»، وهو ما تُشير إليه فرقة العمل المعنية بأوروبا الجيوسياسية. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي تحديداً، يعني هذا خفض عتبة استخدام «أداة مكافحة الإكراه»، التي تسمح بأنواع عديدة من الرد، لتُستخدم أيضاً لدرء أي تهديد قبل وقوعه، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل.

درسٌ آخر، كما يؤكد مركز «ديزرنات زوكونفت»، هو أن الأمر لا يقتصر على توفير السلع النادرة، حيث يُعدّ امتلاك سوق استهلاكية ومالية ضخمة - والتي يمكن حجب الوصول إليها - شكلاً من أشكال النفوذ.

وثمة عامل ثالث، يتمثل في ضرورة أن يجد الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سبلاً للتوافق بشأن استخدام نقاط الاختناق (كما فعلا من قبل بشأن العقوبات المفروضة على روسيا).

هذه المعرفة مُرحّب بها وضرورية، ويمكن أن تكون مجرد بداية. فالقوة بمعنى امتلاك أدوات الإكراه لا تُساوي القوة بمعنى تحقيق المصالح بنجاح. فالأخيرة تتطلب استعداداً لاستخدام الأولى - ربما بقوة. وهذه خطوة لم يتخذها القادة السياسيون الأوروبيون بعد.