إيان هارنيت
لعل الوقت قد حان لكي تعيد الحكومات والبنوك المركزية النظر في سياساتها النقدية.
المؤسس المشارك وكبير الخبراء الاستراتيجيين في الاستثمار بشركة «أبسولوت استراتيجي ريسيرش» يمثل التركيز على أسعار السلع أهم درس ينبغي على صناع السياسات والأسواق تعلمه من الانتخابات الأمريكية.
حيث بدا واضحاً أن الناخبين قد انصب تقييمهم للاقتصاد على منظور ارتفاع الأسعار، وليس انخفاض معدلات التضخم أو البطالة. لذلك، من الجلي أن الوقت قد حان لإعادة الحكومات والبنوك المركزية النظر في السياسات النقدية الحالية.
ومثلت المخاوف الاقتصادية محور اهتمام 80% من الناخبين الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية، وحلت بذلك في المرتبة الثانية بعد الهجرة. وقد جرى ذلك رغم انخفاض معدلات البطالة.
واقتراب التضخم من هدف 2%، والتوقعات بتواصل انخفاض أسعار الفائدة.وهكذا، فإن المعضلة الرئيسية تمثلت في أن صدمة الأسعار الناجمة عن الجائحة لم تكن مؤقتة.
وعلى الرغم من تراجع معدلات التضخم مع هدوء ضغوط العرض بعد الجائحة، كان الموضوع السائد في النقاش هو تعرض الناخبين لضغوط بسبب ارتفاع الأسعار، مع عدم مواكبة الأجور الحقيقية لذلك. كما لعبت مخاوف اقتصادية مماثلة تتعلق بالأسعار دوراً في إسقاط الحكومات في كل من المملكة المتحدة وفرنسا.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار السلع الأساسية التي تشتريها الأسر بانتظام (مثل الطعام والبنزين) بنسبة 28% مقارنة بمستويات يناير 2020 (أي ما يزيد بنسبة 18% على المستوى المتوقع في عالم يسوده تضخم بنسبة 2%).
أما المملكة المتحدة، فقد شهدت ارتفاع أسعار الطعام والمشروبات والطاقة بنسبة 30%، بينما في منطقة اليورو ارتفع مؤشر «المشتريات المتكررة من الأموال الخاصة» بالبنك المركزي الأوروبي بنسبة 26% منذ الجائحة. لذلك، لا عجب من شعور الناس بضغوط الضائقة.
وثمة دروس عدة يمكن لصناع السياسات استخلاصها من هذه النتائج. بداية، يبدو أن معدل التضخم العام أكثر أهمية للجمهور من التضخم «الأساسي»، ما يعني أن السياسات الحالية ربما تستهدف المتغيرات الخاطئة.
وقد تشعر البنوك المركزية أنها أكثر قدرة على التحكم في الأسعار «الأساسية» من خلال سياساتها، ولكن بالنظر إلى صدمات أسعار الطعام والطاقة، فإنها تغفل الأسعار التي تهم الغالبية الأكبر من الناس.
ولو كانت السياسات هدفت إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب في وقت سابق، فلربما بلغ التضخم ذروته عند مستويات أدنى، ولربما أصبحت الأسعار أكثر استقراراً، وتقلصت حدة الاضطرابات السياسية.
لكن قد تكون هناك حاجة لإجراء المزيد من التغييرات الجوهرية. فقد عادت العديد من البنوك المركزية الكبرى ضمنياً إلى وضع السياسات النقدية استناداً إلى نماذج قاعدة تايلور (حيث ترتكز أسعار الفائدة على مدى انحراف الاقتصاد عن هدف التضخم، ومستوى الركود في الاقتصاد).
ومع ذلك، تشير الانتخابات إلى أن الناخبين قد يفضلون رؤية مستويات أسعار مستقرة بدلاً من التركيز على خفض معدلات التضخم أو التشغيل الكامل للعمالة.
وإذا كانت هذه هي الحال، فقد ترغب البنوك المركزية في البحث عن إطار سياسي بديل؛ وهو استهداف مستوى الأسعار، حسبما يقترح مايكل وودفورد، الأستاذ بجامعة كولومبيا.
والهدف من هذا الإطار هو استهداف ارتفاع ثابت بمستوى الأسعار بمرور الوقت، بحيث إذا تجاوزت الأسعار هذا المعدل، يتعين على السياسات المتبعة الاستجابة بشكل مناسب لتصحيح أي تفاوت في مستوى الأسعار.
ويتناقض ذلك مع الإطار الحالي، الذي قد يحتفي بالعودة إلى هدف التضخم بنسبة 2%، حتى بعد سنوات عدة من الفشل في تحقيقه، على نحو أضر بالقوة الشرائية الحقيقية للأسر.
ونظرياً، يمكن لهذا الإطار أن يحقق مكاسب للمستهلكين من خلال تشجيع اتخاذ إجراءات مبكرة للحد من الفوارق الأولية عن مستويات الأسعار المرجوة.
ومن بين النقاط الأخرى التي تعيب النهج الحالي لاستهداف التضخم أنه في الاقتصادات التي تضم قطاعات خدمات كبيرة، كانت أهمية تكاليف العمالة في دفع التضخم داخل قطاع الخدمات تعني أن خفض الأجور الحقيقية للعمال كان بمثابة عامل رئيس في تحقيق أهداف التضخم.
وفي الواقع، منذ أن بدأ بول فولكر (الرئيس الثاني عشر للاحتياطي الفيدرالي من عام 1979 إلى عام 1987) في كبح التضخم منذ أواخر السبعينيات، استحوذت الشركات على أغلب المكاسب الإنتاجية وليس العمال.
وكان القصد من استهداف التضخم تعزيز الإنتاجية من خلال الحد من أوجه عدم اليقين وتشجيع الاستثمار، لكن في واقع الأمر تباطأ الاتجاه العام لنمو الإنتاجية منذ أوائل الثمانينيات.
وبدلاً من ذلك، عززت الشركات الأرباح على حساب النمو من خلال خفض الاستثمارات وزيادة توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم. ونظراً لأن استهداف التضخم عزز العوائد على رأس المال على حساب العمالة.
فقد ساهم أيضاً في تنامي التفاوت في الدخل. وربما لعب هذا التفاوت دوراً في تزايد النزعة الشعبية بالعديد من الدول.
خلاصة القول، فإن الانتخابات هذا العام تشير إلى رفض ضمني للإطار النقدي الحالي. ذلك، أنه على الرغم من انخفاض معدلات البطالة، تسببت مستويات الأسعار المرتفعة في تقليص الأجور الحقيقية للكثيرين.
مما أدى إلى تأجيج السخط العام. وإذا أراد الساسة إعادة انتخابهم، وكانت البنوك المركزية ترغب في الحفاظ على أهميتها داخل المجتمعات، فقد يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة النظر في تفويضاتها.
