صدى عودة «بي بي» و«ترانس أوشن» يتردد بقوة في أسواق النفط

مالكوم مور
ثمة شعور بأننا نشهد حدثاً مكرراً عندما يتعلق الأمر بالمشروع النفطي الجديد لشركة «بي بي». ولا يرجع ذلك فقط إلى عودة الشركة إلى خليج المكسيك، بعد 15 عاماً من كارثة «ديب واتر هورايزون» التي أودت بحياة 11 شخصاً.

وتسببت في تسرّب 5 ملايين برميل من النفط وكلّفت الشركة أكثر من 60 مليار دولار، بل يرجع أيضاً إلى مشاركة «ترانس أوشن»، الشركة التي امتلكت سفينة «ديب واتر هورايزون»، في حفر حقل «كاسكيدا» الجديد، حيث يتواجد النفط على عمق ستة أميال تحت سطح البحر بضغط هائل.

هذه المرة، تحمل سفينة الحفر اسم «ديب واتر أطلس». ومن الواضح أنه لم يكن أمام «بي بي» خيارات كثيرة، فـ«ترانس أوشن» هي الشركة الوحيدة التي تمتلك سفينة حفر متاحة قادرة على التعامل مع هذا الضغط العالي.

وشركة «بي بي» مضطرة كذلك إلى دفع ثمن باهظ يبلغ نحو 635,000 دولار في اليوم، مقابل عمل «ديب واتر أطلس»، خاصة أن أسطول «ترانس أوشن» محجوز بالكامل تقريباً.

وأعلن رئيسها التنفيذي في الشهر الماضي أن 97% من حفارات الشركة محجوزة حتى في العام المقبل، بل إن 86% منها محجوز في النصف الأول من عام 2026. وتفاخر الرئيس التنفيذي بأن الشركة لديها أعمال متراكمة تبلغ قرابة 9.3 مليارات دولار.

ومنذ بداية عام 2022، ارتفع متوسط سعر الإيجار اليومي لمنصات الحفر العائمة بأكثر من 40%، بحسب محللي شركة ريستاد للاستشارات في مجال الطاقة الذين يتابعون الصناعة.

وبما أن استئجار منصة حفر يشكّل ما يتراوح بين 20% و40% من تكلفة تطوير حقل نفطي، فإن ارتفاع الأسعار، بجانب مدى توفر المنصات، يحمل في طياته تداعيات على كميات النفط التي ستدخل الأسواق على مدى الأعوام القليلة المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى انخفاض عدد العقود المستقبلية لمنصات الحفر بالفعل، مع ممارسة الشركات النفطية لضبط النفس في ما يتعلق ببدء مشروعات جديدة، وسط قلقها بشأن احتمالية التسبب في فائض بالمعروض من النفط.

وتسببت أوجه القلق هذه في تراجع أسعار أسهم بعض الشركات المُشغّلة لحفارات النفط بنحو 30% خلال العام الماضي، على الرغم من الطفرة الحالية.

وتسلّط وقائع «ديب واتر أطلس» الضوء على التقلبات الكبيرة في السوق. فقد تم تعهيد بناء السفينة إلى حوض في سنغافورة في عام 2014، حينما كانت أسعار النفط بحدود 115 دولاراً للبرميل وكانت الشركات تتسابق لإيجاد وتطوير مزيد من حقول النفط البحري. لكن السوق النفطية تهاوت بمجرد بدء العمل على السفينة التي تبلغ قيمتها مليار دولار.

وأدرك المتعاقدون سريعاً كيف يمكن لهذه الدورة أن تكون خطرة، فانسحبت الكثير من شركات النفط بكل بساطة من العقود المُبرمة.

وكان مقدار النفط الذي قد يحتاج إليه العالم مستقبلاً مسألة غارقة في عدم يقين متزايد، مع تحويل شركات النفط لقدر من إنفاقها إلى المشروعات منخفضة الانبعاثات الكربونية.

وإلقاء جائحة فيروس كورونا بظلالها على الطلب وتسببها في بروز فكرة أن الموظفين الذين يذهبون إلى أعمالهم عن طريق وسائل النقل بكثافة ربما يفضّلون العمل من المنزل. لذلك، جمّدت «ترانس أوشن» صفقة السفينة «ديب واتر أطلس» لأعوام قبل تسلّمها إياها في عام 2022.

ويبدو التوازن بين العرض والطلب أفضل حالاً في الوقت الراهن بالنسبة لشركات النفط. وشهدت سلسلة توريد النفط البحري موجة توحيد هائلة، وتخلّصت الشركات من الكثير من منصات الحفر القديمة، وتحلّى عدد ضئيل من الشركات بالشجاعة للاتفاق على طلبيات جديدة.

كما عاد النفط من الحقول البحرية بقوة من جديد، خاصة في الولايات المتحدة والبرازيل وغويانا.

وكذلك في كل من إفريقيا وآسيا. وهذا العام، ستنفق الشركات أكثر من 100 مليار دولار على مشروعات الحقول البحرية، ليزداد الإنفاق على هذه المشروعات إلى نحو 140 مليار دولار في عام 2027، بحسب «ريستاد».

وفي ضوء استخراج مزيد من النفط البحري من المياه العميقة، يتوقع بعض المحللين أن تشهد السوق تخمة في المعروض من النفط خلال الأعوام القليلة المقبلة. وبحلول نهاية العقد، تعتقد وكالة الطاقة الدولية أن السوق قد تشهد فائضاً في الطاقة الإنتاجية بما يصل إلى 8 ملايين برميل يومياً، وهو حجم لم يُسجل إلا خلال فترة الجائحة.

لذلك، يعتمد الكثير على مدى سرعة انحسار الطلب على النفط، خاصة في الصين، حيث يحوّل المستهلكون أنظارهم سريعاً تجاه السيارات الكهربائية. لكن ربما يعكس ضيق سوق حفارات النفط أيضاً القيود على المعروض.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن تطوير مشروعات النفط البحري يستغرق أعواماً، وكثيراً ما يستغرق بلوغ مرحلة التعادل فترة تتخطى العقد. وتجمّد شركات النفط هذه المشروعات إذا انخفضت أسعار الذهب الأسود، بينما تركّز على المشروعات الأرخص والأيسر تطويراً.

وقد تراجع سعر النفط الخام بأكثر من 15% منذ أبريل الماضي، بالرغم من الحروب في أوروبا والشرق الأوسط، وسط قلق المتعاملين بشأن حالة الاقتصاد الصيني.

وترجح «ريستاد» الموافقة على ثلاثة أرباع مشروعات النفط البحري التي تنظر كبرى شركات النفط في تطويرها حتى وإن بلغ سعر برميل الخام 60 دولاراً.

وعموماً، تعد معنويات مالكي منصات الحفر متفائلة، فقد أعلنت «ترانس أوشن» أن بعضاً من عملائها يتباهون بقدرتهم على تحقيق عائد قدره 20% حتى وإن بلغ سعر البرميل 40 دولاراً.

وسيحتاج مشغّلو منصات الحفر إلى أعوام عديدة يسودها استقرار بأسعار النفط، بالإضافة إلى توقع أن الحفر البحري سيكون وحده القادر على الوفاء بالطلب العالمي على النفط، لكي يضخوا استثمارات جديدة في بناء سعة إنتاجية جديدة، ولمواجهة احتراز المساهمين في ما يتعلق بالإنفاق الرأسمالي. لذا، قد يبدو هذا قراراً محفوفاً بقدر كبير من عدم اليقين في الوقت الراهن.