محافظو المصارف المركزية قلقون إزاء خطوط مبادلات الدولار

جيليان تيت
في عام 1857، حمّل بنك النمسا 10 ملايين أونصة من الفضة على متن قطار وأرسلها إلى هامبورغ. لكن ما السبب؟ كانت بنوك المدينة على وشك الانهيار، بعد نفاد احتياطياتها. لذا، فقد أرسلت النمسا «قطار الفضة» لتوفير السيولة. 

وبعد 30 عاماً، فعل البنك المركزي الفرنسي الشيء نفسه مع سفينة من الذهب، خلال أزمة بنك «بارينجز» البريطانية. فهل هناك حاجة لمثل هذه المساعدة مجدداً، على شكل دولار القرن الحادي والعشرين؟ إنه سؤال يُتداول الآن بهدوء بين محافظي البنوك المركزية الأوروبية والآسيوية، فيما يتعلق بقضية خطوط مبادلات الدولار التي كانت غامضة في السابق. كما أنه ينبغي على المستثمرين الانتباه جيداً.

والسبب هو أن خطوط المبادلات هذه اعتُبرت ركيزة أساسية للنظام المالي العالمي في العقود الأخيرة، لأنها مكّنت البنوك المركزية الآسيوية والأوروبية الكبرى من الحصول على دولارات من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أوقات الأزمات.

وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه في أوقات ضغوط السوق، عادةً ما يكون هناك «اندفاع نحو السيولة النقدية» - أي تدافع على الدولار، نظراً لدوره كعملة احتياطي.

لا تستطيع الجهات غير الأمريكية طباعة تلك الدولارات، وبالتالي قد لا تتمكن من تلبية الطلب. لذلك، خلال الأزمة المالية عام 2008، فعّل الاحتياطي الفيدرالي حوالي 583 مليار دولار من خطوط المبادلات للبنوك المركزية غير الأمريكية، لتمكين تدفقات الدولارات إلى البنوك التجارية. وجرى القيام بالشيء نفسه خلال أزمة منطقة اليورو.

كما تم توفير 450 مليار دولار خلال جائحة «كوفيد 19» عام 2020 - وهي خطوة خففت من حدة العدوى المالية، وفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند.

لكن الشكوك تتزايد الآن حول موثوقية شبكة الأمان هذه. ففي نهاية المطاف، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازمة على إعادة ضبط النظام المالي والاقتصادي العالمي، مع وضع المصالح الأمريكية في المقام الأول. وقد أشار جيه دي فانس، نائب الرئيس، إلى أنه «يكره فكرة إنقاذ أوروبا».

بمعنى آخر، لم تعد الصفقات مع الحلفاء مقدسة. ويكفي أن ننظر إلى ما كُشف عنه قبل أيام من أن البنتاغون يراجع اتفاقية الغواصات مع المملكة المتحدة وأستراليا. وينفي مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بشدة أن يكون نظام مبادلات الدولار مماثلاً لقصة الغواصات هذه.

وفي الواقع، أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، إلى المزايا خلال خطاب ألقاه في شيكاغو في أبريل. لكن ما يُقلق البعض خارج الولايات المتحدة هو ما قد يحدث عند مغادرة باول منصبه في عام 2026.

ويمتلك الاحتياطي الفيدرالي حالياً تسهيلات مبادلات دولارية دائمة مع خمسة بنوك مركزية (في منطقة اليورو، وسويسرا، واليابان، وبريطانيا، وكندا)، وقد أنشأ سابقاً تسهيلات مؤقتة لتسعة بنوك أخرى، بما في ذلك أستراليا والبرازيل والدنمارك، والتي انتهت صلاحيتها. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه التسهيلات الأخيرة ستعود في حال حدوث أزمة، وإذا كان الأمر كذلك، فبأي «ثمن».

ولو عرض الاحتياطي الفيدرالي مقايضات على البنك المركزي الدنماركي، على سبيل المثال، فهل سيطلب ترامب تنازلات بشأن غرينلاند؟ كما أنه من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستفرض شروطاً على خطوط المقايضة الدائمة. ففي نهاية المطاف، يرى سكوت بيسنت، وزير الخزانة، أن القضايا المالية والعسكرية والتجارية والتكنولوجية متشابكة بدرجة كبيرة.

ثم هناك الكونجرس، صاحب السلطة المطلقة على الاحتياطي الفيدرالي. فبعد أزمة عام 2008، كانت هناك بعض الانتقادات من الحزبين في الكونجرس لخطوط المبادلات، والتي هدأها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي في الغالب بالإشارة إلى أن الذعر المالي العالمي كان سيضر بأمريكا.

لكن هذا النقد يمكن أن يعود بسهولة، لا سيما في ظل رغبات ترامب الحمائية والشعبوية. ومن هنا تأتي حاجة أوروبا إلى التأمل في قصة «قطار الفضة» عام 1857.

في الشهر الماضي، أصر لويس دي غيندوس، نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، على أن البنك المركزي الأوروبي لا يزال واثقاً من أن الاحتياطي الفيدرالي سيحتفظ بخطوط المبادلات. ولكن ظهر مؤخراً أن البنك المركزي الأوروبي طلب من بنوكه الإبلاغ عن نقاط الضعف المتعلقة بانكشافاتها على الدولار.

ودعا مركز الأبحاث المؤثر «سي إي بي آر» البنوك المركزية غير الأمريكية إلى وضع ميثاق مشترك للاستعداد لأسوأ السيناريوهات. وتتمثل الفكرة في أن يستخدم 14 بنكاً مركزياً احتياطياتها المقدرة بـ1.9 تريليون دولار لتوفير السيولة لبعضها البعض، في حال تراجع الاحتياطي الفيدرالي، وذلك بالتنسيق مع بنك التسويات الدولية.

ولم يُعلن أي مسؤول في البنوك المركزية دعمه بعد لهذه الفكرة. لكن البعض يقول إن العديد من خطط الطوارئ قيد المناقشة. وفي غضون ذلك، يتخذون خطوات دفاعية أخرى بهدوء، مثل زيادة مشترياتهم من الذهب، وفي حالة الدول الأصغر، خفض اتفاقيات المبادلات مع الصين.

وقال أحدهم: «هناك جدلٌ حول فخ كيندلبرجر»، في إشارةٍ إلى تحذير الخبير الاقتصادي تشارلز كيندلبرجر من أن الاضطرابات تندلع عندما تفقد قوة جيوسياسية مهيمنة القدرة أو الرغبة في دعم عملة احتياطية، دون أن يتدخل منافسها الصاعد لسد الثغرة. (وهذا ما حدث في سنوات ما بين الحربين العالميتين قبل استبدال الجنيه الإسترليني بالدولار).

لسنا الآن، قطعاً، في لحظة كهذه، ونأمل ألا تأتي أبداً. لكن النقطة الأساسية هي: ما لم يدعم البيت الأبيض بوضوح تعليقات باول حول ضرورة الحفاظ على خطوط مبادلات الدولار، فسيزداد القلق. لذا، لنثق جميعاً بأن سكوت بيسنت، بصفته خبيراً في التاريخ المالي، يُدرك هذا وسيتخذ إجراءً. وإلا، فستستمر أسعار الذهب في الارتفاع.