هل الأفضل لأمريكا تبنّي موقف بريطانيا تجاه العجز التجاري؟

سومايا كينز
تتبنى الحكومتان الأمريكية والبريطانية موقفين مختلفين تماماً تجاه العجز التجاري للدولتين.

فبينما يبدو نهج الأمريكيين أشبه بنهج تنين غاضب يقذف نيرانه (الرسوم الجمركية) على المتسببين المزعومين، يبدو البريطانيون هادئين بدرجة كبيرة. هذا الاختلاف ليس مفاجئاً، نظراً للاختلافات الشخصية بين قادة البلدين. ولكن هل هو مُبرر؟ 

بحسب المنطق الاقتصادي، كان ينبغي لبريطانيا أن تثور هي الأخرى.

ففي العام الماضي، بلغ العجز التجاري البريطاني في السلع 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكبر عجز منذ بدء تسجيل البيانات بشكل منتظم قبل ما يقرب من ثلاثة عقود.

كان هذا الرقم ضعف الرقم الأمريكي تقريباً في العام نفسه (استناداً إلى البيانات حتى نوفمبر)، على الرغم من هجوم ترامب بالرسوم الجمركية.

كما كان أكبر من العجز الضخم الذي شهدته أمريكا في العقد الأول من الألفية الثانية، والذي أثار غضب السياسيين أيضاً. حتى صندوق النقد الدولي، المعروف بنهجه الأكثر اعتدالاً، جمع البلدين معاً، باعتبارهما أكبر مساهمين منفردين في العجز المفرط في الحساب الجاري، وهو مقياس أوسع للاختلالات الدولية، يرصد عن كثب أكثر من العجز التجاري في السلع.

صحيح أن مساهمة بريطانيا كانت أقل بكثير من مساهمة أمريكا، نظراً لضعف اقتصادها نسبياً، بالمقارنة مع أمريكا، ربما تُعتبر بريطانيا حرباء هادئة. (مع أنها لا تزال سحلية).

وقد يعكس رد فعل الحرباء تجاه هذه الاختلالات استسلاماً. فبريطانيا أصغر من أن تفكر في التغلب على التحديات الاقتصادية بالقوة.

كما أنها تتسم بعقلانية مفرطة، وتُجيد التقليل من شأن نفسها، وتُدرك تماماً العوامل الداخلية العديدة التي تُؤدي إلى ضعف أداء صادراتها من السلع. (في عام 2025، كان حجم صادرات السلع أقل مما كان عليه في عام 2014). وتشمل هذه العوامل ارتفاع تكاليف الطاقة الصناعية، وقوة العملة مؤخراً، وظاهرة تُشبه إلى حد كبير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

والسبب الرئيس لهذا الهدوء البريطاني، هو فائضها الهائل في قطاع الخدمات، والذي يكفي لتعويض عجزها في قطاع السلع بشكل شبه كامل (باستثناء تدفقات المعادن النفيسة المتقلبة).

فبينما تبيع دول العالم الأثاث والسيارات والإلكترونيات لبريطانيا، فإن هذه الدول تشتري في المقابل بحماس خدمات السفر وتكنولوجيا المعلومات والملكية الفكرية البريطانية. وبجمع السلع والخدمات، بلغ إجمالي العجز التجاري للمملكة المتحدة في عام 2025، ما يقارب ربع عجز الولايات المتحدة.

أما السبب الأخير الذي يبرر هذا التباين في الموقف التجاري، فهو أنه على الرغم من أن عجز حسابها الجاري قد يكون مرتفعاً بعض الشيء، إلا أن وضعها المالي بالنسبة لبقية العالم ظل مستقراً إلى حد كبير، خلال العقدين الماضيين.

فقد عوضت تغيرات الأسعار التي رفعت قيمة أصول البريطانيين في الخارج عجز حسابها الجاري المستمر، وبالتالي، ظل صافي استثماراتها الدولية مستقراً بشكل عام خلال العقدين الماضيين. وعلى أساس هذا المقياس، كان أداء الولايات المتحدة سيئاً للغاية.

وقبل أن يشعر البريطانيون بوجود مبررات كافية لتصرفاتهم المتساهلة، لا بد من التنويه إلى بعض التحفظات.

فبداية، لم تكن بريطانيا، في آخر إحصاء قمت به، المورد الرئيس للأصول الآمنة في العالم، وهي عرضة نسبياً لتقلبات السوق، إذ قد يقرر المستثمرون فجأة أن العوائد من تمويل الفجوة بين إيرادات بريطانيا ونفقاتها (عجز الحساب الجاري)، لا تُبرر المخاطرة.

أيضاً، ثمّة حقيقة مهمة، وهي أن بريطانيا لديها عجز مستقر نسبياً وسهل القياس، أما الفائض، فهو على النقيض تماماً.

فعلى سبيل المثال، يُمثّل صافي استثماراتها الدولية رقماً ضخماً - 14.6 تريليون جنيه إسترليني من الأصول، (اعتباراً من سبتمبر 2025) مطروحاً منه رقم ضخم آخر، 14.8 تريليون جنيه إسترليني من الالتزامات.

وباعتبارها مركزاً مالياً، فإن أرقام بريطانيا ضخمة بشكل خاص. وهذا يعني أن تعديلاتٍ طفيفة نسبياً في البيانات قد تُغيّر بشكلٍ جذري الصورة العامة للوضع المالي للبلاد. (في أحدث بياناتها، تم تعديل صافي المركز بمقدار 100 مليار جنيه إسترليني).

أما بالنسبة لفائض الخدمات، فإن أكثر المتشائمين ينظرون إلى هذه الأرقام، باعتبارها مجرد أوهام.

وهذا مُبالغ فيه بعض الشيء، مع أن من الصحيح أن تحديد تدفقات الخدمات عبر الحدود أصعب من حساب كمية البضائع التي تعبر الحدود.

وحتى لو كانت البيانات دقيقة، فإن هذا الوضع قد يأتي بنتائج عكسية، إذا ما أحدثت صدمة تكنولوجية هائلة اضطراباً في قطاع بكامله. جيد أن يكون لدى بريطانيا هذا الفائض، لكن من المؤسف أن يحدث له أي شيء بسبب الذكاء الاصطناعي.

عموماً، من الجيد أن البريطانيين ليسوا قلقين مثل الأمريكيين بشأن اختلالاتهم التجارية الدولية.

ربما يمكن للتنين الغاضب أن يتعلم بعض دروس الهدوء والتأمل من الحرباء، بما في ذلك أن ضعف التصنيع قد يتسبب في عجز في تجارة السلع. ولنأمل أن يستمر تبادل الأشياء بالكلمات. (أقول هذا بصفتي مُصدِّراً للكلمات). ولكن إذا كانت الحرباء تفكر في لون لجلدها، فأوصي بلون أحمر داكن.