الاقتصاد الأمريكي يتحول.. هل نحو النموذج الأوروبي أم الأسترالي؟

كريس جايلز
نجح الاقتصاد الأمريكي في خلق 130 ألف وظيفة الشهر الماضي، وبمعدل 30 ألف وظيفة شهرياً في السنة المنتهية في يناير 2026.

كما انخفضت البطالة للشهر الثاني على التوالي إلى 4.3%، أي أعلى بقليل من معدلها البالغ 4.2% في فبراير من العام الماضي. ورغم المراجعة المتوقعة بانخفاض كبير في توقعات نمو الوظائف لعام 2025، إلا أن جميع البيانات كانت أفضل بكثير من المتوقع.

تثير هذه الأرقام ثلاثة تساؤلات: ماذا حدث للخطاب السائد مؤخراً حول الوظائف؟ وهل تحقق الولايات المتحدة أداء اقتصادياً جيداً على غرار منطقة اليورو فيما يتعلق بالسياسة النقدية؟ أم أنها لا تزال تواجه وضعاً أكثر سخونة أقرب إلى النموذج الأسترالي؟

بعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في يناير، الذي أبقى أسعار الفائدة الأمريكية ضمن نطاق 3.5 إلى 3.75 بالمئة، برر محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، تصويته المعارض لصالح خفض سعر الفائدة، بحجة أنه «سيعزز سوق العمل ويحمي من تدهور يصعب معالجته بعد حدوثه». وأعرب عن قلقه من أن التعديل المتوقع سيؤدي إلى توقف نمو الوظائف في الولايات المتحدة تماماً.

كانت هذه بيانات شهر واحد فقط، لكن الواقع هو أن النمو القوي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي قد أسهم في تحسين سوق العمل في البلاد، كما هو متوقع. وكانت جميع البيانات المعلنة الأسبوع الماضي إيجابية تقريباً، مما قلل من المفارقة الأخيرة المتمثلة في ارتفاع أرقام النشاط الاقتصادي بالتزامن مع ضعف أرقام الوظائف.

وإذا قارنا سلسلة من مؤشرات سوق العمل الأمريكية التمثيلية بقيمها في الفترة من 2000 إلى 2019، يبدو سوق العمل طبيعياً، أو حتى أقوى من المعتاد.

ويعود بذلك معدل البطالة البالغ 4.3% إلى النطاق المتوسط الذي حددته لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لمعدل التوازن. ومع انخفاض البطالة إلى مستوى يُعتبر طبيعياً، يصعب الجزم بأن أسعار الفائدة تُقيّد النشاط الاقتصادي بشكل واضح، وهو ما يُلاحظه مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي.

وقد سبقت لوري لوغان، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس وعضو لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية هذا العام، الجميع قبل صدور البيانات الأسبوع الماضي، حيث صرّحت قائلة: «قد يكون موقفنا الحالي من السياسة النقدية قريباً جداً من الحياد، ولا يُقيّد النشاط الاقتصادي والتضخم إلا قليلاً».

ولا يزال التفسير الأكثر تيسيراً لبيانات سوق العمل الأمريكية قائماً على انتقاء البيانات بعناية، مثل النظر إلى معدلات التوظيف في القطاع الخاص أو التأكيد على أن معدل البطالة التوازني أقل بكثير من متوسط تقديرات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 4.2 %.

في المقابل، قد يتبنى أنصار النهج الأكثر تيسيراً وجهة نظر السوق المالية القائلة إننا على وشك أن نشهد الجانب المدمر من التدمير الخلاق، على الرغم من أن ذلك لم يظهر بعد في البيانات. أو قد يُعلنون ببساطة أن نهج منحنى فيليبس (الذي يبين العلاقة بين البطالة ومعدل التضخم) خاطئ، متوقعين استقرار التضخم وانخفاضه، وبالتالي خفض أسعار الفائدة.

من جانبه، يصرح البنك المركزي الأوروبي منذ فترة بأنه في «وضع جيد» نظراً لاستقرار التضخم في التكتل، وتحسن سوق العمل في منطقة اليورو، وقلة الحاجة لرفع أو خفض أسعار الفائدة. لقد حقق هبوطا سلسا، حتى وإن لم ترَ بعض أجزاء منطقة العملة الموحدة، وخاصة ألمانيا، الأمر كذلك.

ومن المرجح أن يتكرر هذا السيناريو في الولايات المتحدة مع سعي البلاد نحو تحقيق معدلات تضخم مستقرة واستقرار اقتصادي. (مع أن الولايات المتحدة ستشهد نمواً أعلى من منطقة اليورو نظراً لديناميكيتها الكامنة، لا سيما في قطاع التكنولوجيا).

لم يصل معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلك إلى 2% بعد، وتُثبت المرحلة الأخيرة من خفض التضخم في الولايات المتحدة صعوبتها. لكن هناك احتمالاً كبيراً أن يعود الاحتياطي الفيدرالي إلى هدفه. ولا تُشير البيانات إلى أن هذا الاحتمال ضعيف.

مع بعض الأخبار الإيجابية من سوق العمل الأسبوع الماضي، أصبح سيناريو الهبوط السلس أقوى مما كان عليه. ويشير ذلك إلى أن سعر الفائدة المحايد أقرب إلى 3.5 - 4% بدلاً من المتوسط البالغ 3% الذي تعتقده لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حالياً. ويعتمد هذا التوازن أيضاً على بقاء عجز الموازنة الفيدرالية قريباً من مستواه الحالي غير المستدام البالغ 6%.

في كل الأحوال، من المهم عدم انتقاء البيانات بشكل انتقائي لتكوين سردية معينة. لكن من الملاحظ أن هناك تشابهاً لافتاً بين معدلات البطالة في الولايات المتحدة وأستراليا، وهو ما يمثل تحذيراً من أستراليا بشأن التضخم.

وباختصار، فقد شهدت أستراليا في عامي 2023 و2024 انخفاضاً في التضخم بينما كان معدل البطالة يرتفع، وهو ما يُحاكي تقريباً ارتفاع البطالة في الولايات المتحدة. وقد شهد سوق العمل الأسترالي انكماشاً أسرع من نظيره الأمريكي، وقفز التضخم في أستراليا ليقترب من 4%.

وكان هذا التغيير المفاجئ سبباً في قلق بنك الاحتياطي الأسترالي، فرفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة إلى 3.85% في اجتماعه المنعقد في 3 فبراير، مُشيراً إلى «زخم الطلب»، وتيسير الأوضاع المالية، وانخفاض معدل البطالة «قليلاً عن المتوقع». ألا يبدو هذا مألوفاً؟

هناك أيضاً قلق في أستراليا من أن عجز الموازنة الحكومية قد ارتفع إلى مستويات غير مستدامة. وقد رحّب صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع بخطة ضبط مالي متوسطة الأجل، لكن عجز أستراليا آخذ في الارتفاع حالياً.

بالطبع، يُتوقع أن يبلغ عجز الموازنة في البلاد حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2025 و2026، وهو أقل من نصف عجز الموازنة في الولايات المتحدة (والذي، كما توقع مكتب الميزانية في الكونغرس الأسبوع الماضي، من المتوقع أن يظل مرتفعاً خلال العقد المقبل).

من الأفضل عدم افتراض أن الولايات المتحدة في المستقبل ستكون شبيهة بأستراليا، فالاقتصادان مختلفان. ولكن في الوقت نفسه، يبدو أن عهد خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة لمراعاة المخاطر السلبية المحتملة على سوق العمل الأمريكي قد ولّى.