هل تكفي قفزة الإنفاق لدفع مسار أوروبا نحو الأمن دون الولايات المتحدة؟

بعد مرور أكثر من عام على تولي دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية للمرة الثانية، باتت أوروبا تدرك ضرورة تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها. 

فقد صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، بأن الإنفاق الدفاعي في جميع أنحاء أوروبا ارتفع بنسبة كبيرة تصل إلى 80% تقريباً في عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبق اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية.

لكن رؤى متضاربة برزت حول كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية، فقد صرّح الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الشهر الماضي، بأن القادة الأوروبيين إنما «يستمرون في الحلم» إذا اعتقدوا أن بإمكانهم الدفاع عن القارة دون دعم أمريكي.

ولذلك، قامت فون دير لاين خلال مؤتمر ميونيخ بانتقاده، قائلة إن على الاتحاد الأوروبي تفعيل بند الدفاع المشترك الخاص به. وباختصار، طرحت فون دير لاين الاتحاد الأوروبي بديلاً لحلف الناتو كضامن للأمن.

وتقوم رؤية روته على أن الدفاع الأوروبي ركن أساسي في حلف الناتو، لكن ليس كياناً قائماً بذاته.

ويقول إن على التحالف العسكري وضع معايير وأهداف للقدرات، بينما يلتزم الاتحاد الأوروبي بنقاط قوته في حشد التمويل وإدارة التنظيم الصناعي. ويشير إلى أن على أوروبا التركيز على شراء ما يُجدي نفعاً وما تحتاج إليه الآن، حتى لو اقتضى ذلك إنفاق الأموال الأوروبية على الأسلحة الأمريكية.

في المقابل، تؤكد فون دير لاين على ضرورة أن تكون أوروبا قادرة على العمل باستقلالية. ونظراً للتساؤلات التي أثيرت حول التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا، على سبيل المثال بسبب تهديدات ترامب لغرينلاند، فإنها ترى أن على الاتحاد الأوروبي استخدام أموال المشتريات الأوروبية لبناء مجمع صناعي أوروبي، حتى لو أدى ذلك إلى إثارة غضب واشنطن.

في الحقيقة، كلا المسؤولين على حق، فبما أن الأمر سيستغرق سنوات من الجهود المتضافرة لكي تقترب أوروبا من تحقيق «الاستقلال الاستراتيجي»، فإنها بحاجة الآن إلى تعزيز قدراتها داخل حلف الناتو وإدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة بعناية، لكن على القارة أن تتحرك بأسرع ما يمكن وبأعلى كفاءة ممكنة نحو النقطة التي تستطيع فيها العمل بمفردها عند الحاجة.

وسيتطلب السير على كلا المسارين موازنة دقيقة؛ فأسلوب «الشرطي الطيب والشرطي السيئ» الذي يتبعه روتّه وفون دير لاين له مزاياه، إلا أن مجاملات رئيس حلف الناتو على شاكلة مديح «ترامب الأب» تتجاوز الحد، وهو ما لفت إليه بعض القادة خلال مؤتمر ميونيخ.

في الوقت نفسه، ليس من المعقول أيضاً أن تشترط مبادرة «سيف» المشتركة للاتحاد الأوروبي، الممولة بالديون بقيمة 150 مليار يورو، ضرورة أن يكون 65% من المحتوى أوروبياً، وأن تشارك دولتان أوروبيتان على الأقل في أي مشروع. وهذا فقط جزء من هدف التعبئة الإجمالي البالغ 800 مليار يورو لإعادة التسلح بحلول عام 2030، حيث يأتي الجزء الأكبر المتبقي من الإنفاق والاقتراض الوطنيين. علاوة على ذلك، لكي تبني أوروبا القدرات التي تحتاج إليها، عليها أن تُولي اهتماماً لعدد من الأولويات، أبرزها:

أولاً، يجب أن تمتد قاعدتها الصناعية الدفاعية المشتركة إلى ما هو أبعد من الاتحاد الأوروبي لتشمل المملكة المتحدة والنرويج وسويسرا وغيرها.

ثانياً، يجب على أكبر دولها، على وجه الخصوص، أن تتجاوز ارتباطها بالشركات الوطنية الرائدة، وأن تسعى إلى شراء أفضل الأنظمة وأكثرها فاعلية على مستوى أوروبا. وهذا يتطلب ثقة بين الدول ربما تكون أكبر من تلك التي تنشأ عند مشاركة العملة أو تخفيف القيود على الحدود.

وثمة حاجة إلى تحول مماثل في التفكير لضمان أن الدول الأوروبية تعيد تسليح نفسها لخوض الحرب القادمة - أو ردعها - لا الحرب الأخيرة.

وقد اضطر كبار المسؤولين الألمان إلى التعهد بضخ المزيد من الأموال في الابتكار والشركات الناشئة، بعد أن اتهم محللون وداخلون جدد إلى السوق برلين بإنفاق جزء كبير من تمويل إعادة التسلح على الأسلحة التقليدية كالدبابات، وهو ما يعود بالنفع في الغالب على شركات تصنيع الأسلحة الراسخة.

وكما أوضح مركز دراسات السياسات الأوروبية، فإنه يجب على أوروبا تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة من خلال السعي إلى تحقيق استقلال استراتيجي، لا سيما في تقنيات الجيل القادم من الصناعات العسكرية، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي، والأسلحة فرط الصوتية، والتقنيات الاستراتيجية المساعدة كالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والطائرات المسيّرة.

وعموماً، فإنه سواء أكان الأمر يتعلق بالتحذير من حرب محتملة في أوروبا، أم بتوقع ما قد تفعله الولايات المتحدة بقيادة ترامب، فمن المنطقي التفاؤل لكن مع ضرورة الاستعداد للأسوأ.