الصدع عبر «الأطلسي» أكبر وأعمق من إمكانية رأبه بخطاب هادئ

جدعون راتشمان
استُقبل خطاب ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن يوم السبت، بتصفيق حار من جانب بعض الحضور. فهل يعني ذلك أن القادة الأوروبيين قرروا الصفح عن كل ما مضى، وباتوا يُحبّون إدارة ترامب الآن؟.

ليس الأمر كذلك على الإطلاق، لكن في الوقت الراهن، من مصلحة أوروبا والولايات المتحدة تجنّب أزمات جديدة. وهذا يُفسّر إلى حد كبير اللهجة الهادئة لخطاب وزير الخارجية الأمريكي، واستقباله الحار داخل القاعة.

لكن الخطابات التي ألقاها القادة الأوروبيون في ميونيخ - والمحادثات مع مساعديهم - تُوضّح أن روبيو لم ينجح بالمرة في رأب الصدع عبر الأطلسي. بل من المُتوقع أن يتسع هذا الصدع ويتعمّق، مع مواصلة الدول الأوروبية اتخاذ خطوات لتجهيز دفاعاتها ضد إدارة ترامب، استعداداً للأزمات القادمة.

إن خطاباً واحداً لا يمكن أن يُصلح الضرر الذي حدث خلال العام الماضي. فقد مهّد خطاب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس المهين والعدائي في مؤتمر ميونيخ العام الماضي، الطريق لتدهور مطرد في العلاقات عبر الأطلسي.

ثم جاءت تهديدات ترامب الأخيرة بضم غرينلاند، لتزيد من حدة الشعور في أوروبا بأن الإدارة الأمريكية الحالية تُعدّ خصماً، بقدر ما هي حليف.

وبينما كان خطاب روبيو حافلاً بالإشادات المبالغ فيها بمايكل أنجلو وفرقة البيتلز، فضلاً عن حنين غريب إلى الإمبريالية الأوروبية، لم تكن رسالته الأساسية مختلفة كثيراً عن رسالة فانس العام الماضي.

فقد كان نداء روبيو لشراكة متجددة مع أوروبا مشروطاً للغاية، وكان الشرط هو أن يتبنى القادة الأوروبيون النزعة القومية المتطرفة، التي تتبناها حركة ماغا.

من الواضح أن إدارة ترامب ترى شركاءها الطبيعيين في أوروبا في أحزاب اليمين المتطرف والقومية، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، والتجمع الوطني في فرنسا، وحزب الإصلاح في بريطانيا، وحزب فيدس بزعامة فيكتور أوربان في المجر، فيما تُشكّل هذه الأحزاب تهديداً مباشراً للحكومات الأوروبية الحالية، وربما للديمقراطية الأوروبية نفسها.

لقد تركت تجارب العام الماضي رسالتين راسختين أساسيتين في أوروبا: الأولى هي أن العلاقات عبر الأطلسي، في عهد ترامب، ستتأرجح حتماً بين الأزمات.

وقد تكون الأزمة التالية متعلقة بغرينلاند، أو التجارة أو أوكرانيا أو غيرهما، لكنها ستحدث لا محالة.

الرسالة الثانية هي أن استرضاء ترامب خطأ. فقد حاول الأوروبيون ذلك في التجارة - بقبولهم الرسوم الجمركية الأمريكية، دون ردّ انتقامي. لكن هذا القرار ظهر في النهاية بصفته ضعفاً، ولم يجلب سوى مزيد من الهجمات.

أما في ما يتعلق بغرينلاند، فقد اتخذوا نهجاً مختلفاً - وقفوا صفاً واحداً، وأوضحوا استعدادهم للرد. فتراجع ترامب.

ولا تعني هذه التجارب أن الأوروبيين استسلموا لعلاقة عدائية بحتة مع الولايات المتحدة، فحلف الناتو لا يزال حجر الزاوية للأمن الأوروبي.

وإذا سنحت فرص للعمل البنّاء مع إدارة ترامب بشأن أوكرانيا أو غيرها من القضايا، فسيتم اغتنامها. لكن الحكومات الأوروبية تسعى الآن جاهدة أيضاً للحد من تعرضها للمزيد من الضغوط الأمريكية.

لقد صرحت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، بأن «أوروبا يجب أن تصبح أكثر استقلالية في كل جانب يؤثر في أمننا وازدهارنا».

وأوضح فريدريش ميرتس المستشار الألماني، أن بلاده بدأت تفكر في إنشاء منظومة نووية أوروبية - بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا - تحسباً لتخلي أمريكا عن المظلة النووية التي وفرتها أوروبا لعقود.

كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سياسة صناعية «تمنح الأفضلية الأوروبية» في كل شيء، من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة السحابية. وأكد كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني، رغبة حكومته في التقارب مع السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وأشار ضمنياً إلى أن بريطانيا ترفض فكرة أن الشعوب «المختلفة في مظهرها» لا يمكنها العيش بسلام.

وإلى جانب استعدادهم لمواجهة إدارة ترامب، بدأ الأوروبيون يفكرون في شنّ هجوم مضاد. وهنا يبرز قطاع الخدمات الرقمية، حيث يُعد مشروع «إكس» التابع لإيلون ماسك هدفاً محتملاً.

وقد تكون الخطوة الأولى هي تبنّي قيود عمرية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما هو معمول به في أستراليا. والمرحلة التالية، التي ستكون أكثر صعوبة وإثارة للجدل، هي المطالبة بالوصول إلى الخوارزميات التي تقوم عليها منصات التواصل الاجتماعي.

لكن من الواضح أن هناك أسباباً تدعو للشك في قدرة الأوروبيين على التحرك بسرعة وفعالية، لا سيما في ظل ردة الفعل الأمريكية العنيفة المتوقعة، إذا ما تصدى الاتحاد الأوروبي لشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة.

إن العديد من الحكومات الوطنية الأوروبية الحالية، تواجه مشاكل سياسية واقتصادية خطيرة، وفيما لا يزال ماكرون قادراً على إلقاء خطابات جيدة، فإنه يعاني من ضعف في الساحة الداخلية.

كما يواجه ستارمر خطر فقدان منصبه كزعيم لحزب العمال ورئيس للوزراء. ولا تملك بريطانيا ولا فرنسا موارد كافية لدعم أهدافهما العسكرية والصناعية. على الجانب الآخر، يقود ميرتس ائتلافاً غير متماسك، وشعبيته تتآكل.

علاوة على ذلك، تتسم عملية صنع القرار على مستوى أوروبا ببطئها الشديد. وتزيد المعوقات الهيكلية التي أحدثها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من صعوبة التعاون بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

كما أن العلاقات بين الحكومتين الفرنسية والألمانية متوترة. وغالباً ما تعرقل المجر، بقيادة أوربان، العمل الجماعي الأوروبي.

كل هذه المشاكل حقيقية تماماً. لكن يبقى لدى أوروبا موارد اقتصادية وفكرية وتقنية هائلة، إذا استطاعت إيجاد طريقة لتعبئتها.

وغالباً ما تتطلب الأزمات إجبار الأوروبيين على اتخاذ قرارات صعبة. وقد خلق ترامب هذا الشعور بالأزمة، بينما لم يفعل روبيو شيئاً يذكر لتبديده.