بيانات تقرير الوظائف الأمريكي الأخير قد تكون مجرد تضليل

محمد العريان ــ أستاذ بكلية وارتون وكبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز ورئيس مجلس إدارة غرامرسي لإدارة الصناديق
محمد العريان ــ أستاذ بكلية وارتون وكبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز ورئيس مجلس إدارة غرامرسي لإدارة الصناديق

لا تنخدعوا، فمن المرجح أن يكون تقرير الوظائف الأمريكي الأخير والصادر الأسبوع الماضي، والذي جاء أفضل من المتوقع، مجرد تضليل عند تقييم التباين في الولايات المتحدة بين تباطؤ سوق العمل والنمو القوي للناتج المحلي الإجمالي.

بل من المرجح أن يكون هذا الاتجاه أكثر إثارة للقلق من حالات «النمو بدون وظائف» السابقة.

وبسبب مزيج من تأثير الذكاء الاصطناعي، والتحولات الهيكلية في التوظيف بعد الجائحة، وعدم اليقين غير المعتاد في السياسات العامة، قد يكون هذا الوضع أطول وأكثر تأثيراً من سابقيه.

وقد بدت عناوين تقرير الوظائف الأمريكي لشهر يناير إيجابية ظاهرياً، حيث تم تسجيل 130 ألف وظيفة جديدة، أي ما يقارب ضعف التوقعات.

لكن من المهم أن نتذكر أنه تم تعديل أرقام ديسمبر ونوفمبر بالخفض إلى 48 ألفاً و41 ألفاً على التوالي. والأهم من ذلك، أن التعديلات الأكبر على توقعات عام 2025 ككل أسفرت عن أضعف عام من حيث خلق فرص العمل خارج فترات الركود الاقتصادي خلال عقدين.

وتشير بيانات أخرى إلى ضرورة توخي الحذر عند المبالغة في تفسير نمو التوظيف في يناير، حيث تظهر البيانات الحديثة أن إعلانات تسريح العمال قد بلغت أعلى مستوياتها منذ عام 2009، بينما انخفضت الشواغر في ديسمبر إلى أدنى مستوياتها في عام 2020. ومع انخفاض نسبة الشواغر إلى البطالة إلى أقل من 1.0، تعود قوة التفاوض لصالح رأس المال بدلاً من العمال.

ويشكل هذا تناقضاً صارخاً مع الاقتصاد المزدهر عموماً. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4% في الربع الثالث، ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن تُظهر البيانات الرسمية هذا الأسبوع نمواً بنسبة 3.7% في الربع الرابع. ومن المرجح أن يكون هذا الانفصال مدفوعاً بثلاثة عوامل محفزة:

أولاً، هناك مؤشرات على «استباق الذكاء الاصطناعي» حيث تُكيّف الشركات سير العمل تحسبًا لانتشار استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

ثانياً، بعد «التوظيف المفرط» في عامي 2021 - 2022، لم تعد الشركات تُكدّس العمالة، على الرغم من تأثر بعض جوانب العرض بقيود الهجرة.

ثالثاً، قد يُشكّل عدم اليقين العام بشأن السياسات الاقتصادية والتوقعات الاقتصادية عائقاً أمام التوظيف الجديد.

وغني عن القول، إن هذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها الاقتصاد الأمريكي انفصالاً بين نمو الوظائف والنمو الاقتصادي.

فقد رأينا ذلك في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مع التوسع في استخدام أتمتة المكاتب؛ وفي أوائل الألفية الثانية مع نقل العمليات إلى الخارج والعولمة؛ وفي حقبة ما بعد عام 2008 (عدم تطابق المهارات وعدم اليقين العام).

مع ذلك، حدثت كل هذه الحالات التاريخية خلال مرحلة التعافي الأولي من انكماش/ ركود اقتصادي، وليس في خضم فترة طويلة من النمو القوي كما هي الحال اليوم.

وهناك أيضاً أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذه الفترة من انفصال التوظيف عن النمو قد تكون أكثر استدامة وأكثر تأثيراً.. هذه المرة، قد يستمر الوضع لفترة أطول لأننا ما زلنا في بداية عملية تبني الذكاء الاصطناعي، مع اقتراب الروبوتات من الظهور، بينما تتأخر الحوسبة الكمومية.

علاوة على ذلك، فإن العقلية السائدة لدى العديد من الشركات عند دراستها الأولية للذكاء الاصطناعي لا تساعد.

ويبدو أن الكثير من المديرين التنفيذيين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي من منظور قدرته على تقليل تكاليف العمالة (إنجاز العمل نفسه بعدد أقل من العمال) بدلاً من التركيز على إمكاناته الإنتاجية الأكبر (إنجاز المزيد بنفس عدد العمال أو بعدد إضافي). ويتحقق هذا الأخير من خلال تعزيز قدرات العمال الحاليين والجدد.

كذلك، يأتي هذا الانفصال بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف في وقتٍ تشكل فيه القدرة على تحمل التكاليف مصدر قلق سياسي واجتماعي كبيراً.

ومن المرجح أن يؤدي اتساع الفجوة بين النمو القوي وضعف سوق العمل إلى زيادة عدم المساواة في الدخل والثروة في اقتصاد يشهد بالفعل فجوة كبيرة بين ثروات الأغنياء والفقراء.

وهذا من شأنه أن يُضعف دور استهلاك الأسر ذات الدخل المنخفض كمحرك مهم للنمو.

ويأتي هذا أيضاً في وقت يواجه فيه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الخاضع أصلاً للتدقيق السياسي، احتمالات صراع أكبر بين عنصري مهمته المزدوجة: تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار.

لذلك، قد تنطبق هنا أخطر أربع كلمات في التحليل الاقتصادي والاستثماري: «هذه المرة تعتبر مختلفة»:

بدلاً من التباطؤ التدريجي الذي حدث في الماضي، يُتوقع أن تتسارع مرحلة فك الارتباط هذه في ظل غياب أي إجراءات تخفيف شاملة من جانب الشركات والقطاع العام.

وفي الواقع، يتمثل جزء من التحدي لعام 2026 في إدارة المخاطر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لاقتصاد قد لا يحتاج، دون تعديلات من الشركات والسياسات، إلى هذا العدد الكبير من العمال لتحقيق النمو.