هل تقلب أدوات الذكاء الاصطناعي من «أنثروبيك» بيئات العمل رأساً على عقب؟

أنجلي رافال - دانيال توماس، سوزي رينغ - ميليسا هيكيلا
كان لوري سولونين، رئيس قسم التخطيط المالي في شركة سوبرسيل الفنلندية لألعاب الهواتف المحمولة، متشككاً في مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على وظيفته.

يقول: «كنت أعتقد أن هناك الكثير من المعلومات التي يجب معرفتها والأشخاص الذين يجب التواصل معهم لإنجاز المهام. وهذا ما سيصعب على الذكاء الاصطناعي فعله».

لكن عندما كلف «وكيل تحليل» يعمل بالذكاء الاصطناعي بإعداد تقرير الأداء الشهري الذي كان يستغرق عادةً ثلاث ساعات من فريقه، تم إنجازه في خمس دقائق فقط.

ويؤكد سولونين أن الذكاء الاصطناعي لم يرتكب أي أخطاء، وكانت جودة التقرير ممتازة، كما أنه قدم مراجع للتحقق من الأرقام.

ويضيف: «لقد غيرت رأيي الآن تماماً». وكان شريكه في الذكاء الاصطناعي لهذه المهمة هو «بيجمنت»، وهي منصة متخصصة في تخطيط الأعمال مقرها فرنسا.

بينما لا تزال بعض الشركات في مرحلة التجربة، يكتشف عدد متزايد منها أن الأعمال التحليلية الروتينية - من التنبؤ إلى النمذجة المالية - بالإضافة إلى البحث وكتابة المحتوى، يمكن إنجازها الآن بشكل فوري تقريباً بواسطة برامج آلية.

وقد طرحت العديد من الشركات بالفعل أدوات محددة أحدثت نقلة نوعية في عمل المتخصصين في قطاعاتهم، مثل «هارفي» في مجال الخدمات القانونية، و«رايتر» للاتصالات المؤسسية، و«سينثيزيا» لمحتوى التدريب، و«فين» لدعم العملاء، على سبيل المثال. كما تقوم بعض الشركات بتطوير أدواتها المتخصصة داخلياً.

لكن إعلاناً صدر الأسبوع الماضي من شركة «أنثروبيك» جاء ليدق جرس إنذار بشأن الشكل الذي قد يبدو عليه مستقبل دور الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل.

فقد كشفت الشركة عن مجموعة من الأدوات الجديدة التي يمكن تخصيصها لقطاعات محددة مثل القانون والتمويل والمبيعات والتسويق ودعم العملاء، وهي قادرة على أداء مهام الموظفين الإداريين بكفاءة عالية وبأقل قدر من الإشراف البشري.

وقد أثار بالفعل إطلاق هذه التقنية مخاوف المستثمرين الذين كانوا يراهنون على أن تطورات الذكاء الاصطناعي المتخصصة ستؤثر فقط على قطاعات محددة.

وقد برز اتجاه مماثل في قطاع إدارة الثروات، حيث انخفضت أسعار أسهم العديد من الشركات الأسبوع الماضي بسبب المخاوف من الاضطراب المحتمل الناتج عن أداة استثمارية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وامتد تأثير تقنية «أنثروبيك» إلى مكاتب الكثير من الشركات حول العالم، مما دفع الموظفين الذين يستخدمون بالفعل أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة لمهام أقل أهمية إلى البحث عن بدائل، وتقييم ما إذا كانت هذه البدائل تزيد من خطر فقدان وظائفهم.

وحتى الآن، قامت شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» ببناء نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُشكل أساساً للمطورين والشركات لإنتاج أدوات أكثر تخصصاً للمحامين والمصرفيين والمستشارين وغيرهم من المهنيين.

وقد أعلنت غولدمان ساكس مؤخراً عن تعاونها مع «أنثروبيك» لتطوير وكيل ذكاء اصطناعي لأتمتة بعض الأدوار في البنك. وتقول الشركة إن شركات أوبر ونتفليكس وسيلزفورس وأليانز تستخدم نماذجها أيضاً بطريقة مماثلة.

وتُقدم أدوات أنثروبيك الجديدة، التي أُطلقت ضمن منصة «كلود كوورك»، للشركات منصة وكلاء موحدة، ما قد يُغني، في رأي البعض، عن الحاجة إلى اشتراكات متخصصة متعددة أو تطوير داخلي مكلف، ويمكن أن يوسع نطاق وفورات الإنتاجية.

وتستخدم هذه الأدوات «إضافات» قابلة للتخصيص لعمليات الذكاء الاصطناعي الخاصة بكل شركة، مثل أداة لأتمتة مراجعات العقود القانونية، و«وكلاء فرعيين» لمهام محددة كعرض البيانات.

وتأتي هذه المنتجات الجديدة تطويراً لـ«كلود كود» الذي يستخدم نماذج لغوية ضخمة لتوليد أسطر من التعليمات البرمجية.

وتؤكد شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة أن أنظمتها تتمتع بضوابط وتوازنات أفضل، وسجلات تدقيق، وطبقات أمان أخرى لا يزال على الوكيل العام إثبات قدرته على مُضاهاتها.

ويقول مطورو البرامج المُخصصة إن ميزتهم تكمن في قدرتهم على تحويل ما كان نموذجاً معقداً إلى شيء أكثر سهولة في الاستخدام وموثوقية، يمكن دمجه بسهولة أكبر في سير العمل الحالي.

تعد شركات مثل مجموعة بابليسيس الإعلانية وشركة ريلكس للخدمات القانونية من بين الشركات التي أعلنت عن تبنيها السريع للتكنولوجيا ووعدت بدمجها مع البيانات والخبرات الداخلية.

من جانبهم، قال عدد من المحامين ومزودي التقنيات القانونية إن أداة «أنثروبيك» أقل فعالية من المنتجات الأخرى المتاحة. وتستخدم شركتا «هارفي» و«ليغفورا»، وهما الشركتان الرائدتان في مجال الذكاء الاصطناعي القانوني، نماذج من «أنثروبيك» و«أوبن أيه آي» لتشغيل أنظمتهما، لكنهما طورتا أدواتهما الخاصة للعمل عليها.

في منشور على «لينكدإن» عقب إعلان «أنثروبيك»، أوضح ماكس جونستراند، الرئيس التنفيذي لشركة «ليغورا»، أنه لا يرى في الإضافات الجديدة تهديداً.

وكتب: «هناك فرق جوهري بين إضافة وتشغيل منصة تعاونية.. منصة إنتاجية عالية الجودة تستخدمها مئات من أبرز الفرق القانونية في العالم».

كذلك، فقد أعرب العاملون القانونيون الذين جربوا منتج «أنثروبيك» عن آراء مماثلة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وانتقد أحدهم الإضافة لاستخدامها «ويكيبيديا» كمصدر. ويقول محللون في «جيه بي مورغان» إن «كلود كوورك» لا يغير من بيئة المنافسة لخدمة «ريليكس» القانونية.

وتم إطلاق خدمة الذكاء الاصطناعي من «ليكسيس نيكسيس» للمحامين في يناير، حيث توفر مكتبة تضم مئات من مسارات العمل الجاهزة والقابلة للتخصيص، بدءاً من النزاعات واستراتيجيات القضايا وصولاً إلى الإجراءات القانونية الأخرى، والتي يمكن استخدامها مباشرةً أو تعديلها وفقاً لإرشادات خاصة بكل شركة.

من ناحية أخرى، يقول المحللون إن الأدوات الجديدة قد تشكل خطراً أكبر على صناعة الإعلان.

فقد أظهرت مباراة «سوبر بول» هذا العام مدى سيطرة الذكاء الاصطناعي على مجال الإعلان، حيث استخدمته بعض الشركات للمساعدة في إنشاء إعلانات.

وتتوفر بالفعل أدوات قادرة على تحويل نصوص بسيطة إلى إعلانات في دقائق لعملاء معظم مجموعات الإعلان الكبرى، على الرغم من تأثيرها السلبي الكبير على خدمة كانت تعتبر متميزة في السابق، والتي لا تزال تُدفع أجورها غالباً بالساعة. يمكن لمساعدي الذكاء الاصطناعي المساعدة في الاستهداف والتخطيط الإعلامي وتطوير الحملات.

وقال أحد المديرين التنفيذيين في مجال الإعلان إن النماذج «العامة» التي تقدمها شركة أنثروبيك قد تشكل تهديداً أكبر لأدوات الصناعة المتخصصة، لكنه أوضح أن البيانات الواسعة ومعرفة العملاء لدى الوكالات الكبيرة تمنحها ميزة في تطوير حملات إعلانية أكثر تطوراً.

وتستخدم وكالات كبيرة مثل «دبليو بي بي» بالفعل منصات جيميني وأوبن إيه آي وأنثروبيك لتوفير الذكاء الاصطناعي في نماذجها الداخلية.

ويكمن الخطر الأكبر في أن العملاء سيعتمدون بشكل متزايد على أنفسهم في العمل، حيث تقوم فرق التسويق بتطوير أدواتها الخاصة باستخدام كلود، والتي يمكنهم استخدامها بعد ذلك لإنتاج حملاتهم الخاصة.

تقول إليونور كريسبو، الرئيسة التنفيذية المشاركة لشركة بيجمنت، المنصة التي تستخدمها شركة سوبرسيل، إن مزودي الذكاء الاصطناعي المتخصصين «ينجحون لأنهم يفهمون هياكل البيانات الفريدة، ويتكاملون مع سير العمل المحدد، ويوفرون الحوكمة وإمكانية التدقيق التي تتطلبها القطاعات الخاضعة لتنظيمات صارمة».

وتضيف قائلة: «مع أن النموذج العام يمثل مدخلاً جذاباً وسهلاً للتجربة، إلا أننا في الواقع نراه خطوة أولى لا كغاية نهائية.

فالحقيقة أن أصحاب النماذج العامة مناسبون للتجربة، بينما المتخصصون مناسبون للعمل الفعلي».