الدراما السياسية الأمريكية تحرك الدولار بدلاً من الأساسيات الاقتصادية

كاتي مارتن
يتحول الدولار الأمريكي إلى أداة سياسية على نحو واضح، وذلك بعد أن كانت أهم عملة احتياطية في العالم، تتحرك بناءً على أساسيات اقتصادية تقليدية، مثل معدل النمو، وتغيرات توقعات أسعار الفائدة، وما إلى ذلك. 

لكن ثمة مؤشرات على انهيار هذا النظام المعتاد. وبدلاً من ذلك، ما يُحرك الدولار الآن حقاً هو الدراما السياسية الأمريكية المتقلبة.

ويتجنب محللو «وول ستريت» الخوض في هذه المسألة، غالباً مخافة إغضاب الرئيس دونالد ترامب، لكن عندما ينشرون دراسات جافة ومملة حول «الدور المحدود لفروق أسعار الفائدة»، فإن ما يعنونه في واقع الأمر، وما يقولونه غالباً في جلساتهم الخاصة، هو: «إنها السياسة، يا عزيزي».

وبدأت هذه الديناميكية تظهر بدرجة ما في أداء السوق. فمنذ بداية هذا العام، رفع المحللون توقعاتهم لنمو الاقتصاد الأمريكي بشكل ملحوظ، من حوالي 2 % إلى حوالي 2.4 %، في ظل حسابات واعتبارات بأن تسعى إدارة ترامب إلى تحفيز الاقتصاد بقوة، قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر.

يأتي ذلك فيما تعاني الاقتصادات المتقدمة الأخرى من ركود اقتصادي. كما أن الفجوة بين عوائد السندات قصيرة الأجل في الولايات المتحدة ونظيراتها في معظم دول العالم المتقدم، تشير عادةً إلى ارتفاع قيمة الدولار. لكن مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمته مقابل سلة من العملات الأخرى، انخفض بنحو 1.7 % حتى الآن هذا العام.

وهذا بالتأكيد ليس مؤشراً كارثياً، لكن هذا الابتعاد عن الارتباطات المعتادة، يوحي بضرورة إعادة النظر إلى سوق العملات الضخمة من منظور جديد.

وكان محللو بنك «سوسيتيه جنرال» من بين من يسلطون الضوء على قوة السياسة في هذا السياق. فقد كتبوا أن قيمة اليورو مقابل الدولار أصبحت مدفوعة بشكل شبه كامل بعدم اليقين الخاص بالولايات المتحدة.

وهنا يظهر تآكل المؤسسات الأمريكية، وخاصة البنك المركزي، في محافظ الاستثمار.

وشهد الأسبوع الماضي مثالاً حياً على هذه الظاهرة طويلة الأمد. فيوم الأربعاء الماضي، كشفت بيانات الوظائف الأمريكية الرئيسة (التي تأخرت بسبب إغلاق حكومي مؤقت آخر)، أنه على عكس التوقعات المتشائمة، أضاف الاقتصاد الأمريكي 130 ألف وظيفة جديدة في يناير. وكان الاقتصاديون يتوقعون نصف هذا الرقم تقريباً.

ورغم بعض التعديلات على بيانات الأشهر الأخيرة، إلا أن النتيجة الرئيسة كانت قوية بشكل واضح. كذلك، فقد انخفضت قليلاً سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، ما أدى إلى ارتفاع طفيف في العائدات، نتيجة الشعور بأن أسعار الفائدة الأمريكية قد تحتاج إلى أن تكون أعلى قليلاً خلال الفترة المتبقية من هذا العام.

وبالنظر إلى الظروف الحالية، من المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى ارتفاع الدولار أيضاً، فارتفاع أسعار الفائدة عادةً ما يجعل العملة أكثر جاذبية.

لكن ليس هذه المرة. «كان الدولار مستقراً، وهو أمرٌ لافتٌ للنظر، بالنظر إلى تحركات أسعار الفائدة»، حسبما يقول روبن بروكس، الباحث البارز في معهد «بروكينغز»، الذي يضيف: «أرى في هذا مؤشراً على أننا نتجه نحو تغير في الارتباط، حيث يُنظر إلى الاحتياطي الفيدرالي على أنه مُسيّس بشكل متزايد، ما يدفع الأسواق إلى بيع الدولار عند صدور بيانات اقتصادية قوية».

وبطريقة غريبة، قد يعتبر بعض مستشاري ترامب هذا انتصاراً. فبعضهم، في نهاية المطاف، يُفضّل ضعف الدولار، بحجة أنه سيساعد على تعزيز انتعاش وظائف التصنيع في الولايات المتحدة. لكن بالتأكيد يجب أن يبقى الحكم على هذا الأمر معلقاً. وتكمن إحدى المشكلات في أن هذا الوضع قد يتفاقم بسهولة، ما يؤثر في كيفية تعامل المستثمرين غير الأمريكيين مع الأصول الأمريكية لسنوات قادمة.

ومن المعروف أن عادة شراء الأسهم الأمريكية يصعب التخلي عنها بالنسبة لصناديق التقاعد وغيرها من المستثمرين على المدى الطويل، وذلك رغم كل النفور الواسع النطاق من المخاطر السياسية الأمريكية الجديدة التي ظهرت في ظل ولاية ترامب الثانية.

كما قد يستغرق الأمر شهوراً لإقناع لجان الاستثمار المختلفة بأن الاعتماد بشكل كبير على الأسهم الأوروبية، على سبيل المثال، والابتعاد عن الأسواق الأمريكية، هو مخاطرة تستحق المجازفة.

ويُعدّ التحوّط من مخاطر الدولار عن طريق بيع الدولارات، مع الاستمرار في شراء الأصول الأمريكية، خياراً أسهل بكثير وأقل تعقيداً، لكن فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة إدارة الأصول الأوروبية «أموندي»، أخبرني أنه لا يزال يواجه صعوبة في إقناع العملاء الحاليين والمحتملين بالابتعاد عن أوزان الأسهم القياسية، التي تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة.

في المقابل، أصبحت الموافقة على التحوّط من مخاطر الدولار، ولو جزئياً، جزءاً من غالبية عظمى من تفويضات العملاء الجدد، على حد قوله. وأضاف أن العام الماضي كان بمثابة «جرس إنذار» للمستثمرين غير الأمريكيين.

لذا، لا يمكنهم ببساطة تجاهل هذه المخاطر. وفي الماضي، كانت هناك علاوة أعلى للدولار الأمريكي، لأنه العملة الاحتياطية الحقيقية الوحيدة.

أما الآن، فهو يواجه تحديات. أعتقد أن هذه العلاوة كان تتراوح بين 5 % و10 %، لكن لم يعد هناك داعٍ لدفعها الآن. وهكذا، من الناحية الحسابية، من المتوقع أن ينخفض الدولار تدريجياً.

كل هذا لا يتعلق بـ «بيع أمريكا»، بقدر ما يتعلق بـ «التحوّط ضد أمريكا». لكن التأثير في الدولار هو نفسه، وكلما استمر هذا الوضع، زادت عمليات التحوّط، وتفاقم ضعف الدولار، بغض النظر تقريباً عن قوة الاقتصاد الأمريكي نفسه. يقول بروكس من معهد بروكينغز: «نحن ندخل حقبة جديدة. سيشهد النمو الأمريكي ازدهاراً هذا العام، لكن الدولار سينخفض».