هل بقي للأصالة مكان في عالم يستشري فيه التزييف العميق؟!

ستيوارت كيرك
بعد أكثر من شهر من اتباع حمية قاسية بعد العطلة، جلست في نهاية الأسبوع الماضي أمام التلفاز لمشاهدة مباراة السوبر بول دون أن يكون أمامي طبق أجنحة الدجاج. 

هناك، على أشهر مسرح للإعلانات، كشفت شركة نوفو نورديسك في إعلان تجاري مدته 90 ثانية عن حبوبها الجديدة «ويغوفي».

لكن هل يزعجني انتشار أدوية إنقاص الوزن على نطاق واسع؟ أبداً. بالتأكيد، سأكون مجرد شخص نحيف آخر بين الملايين، ربما المليارات، لكن لن يعرف أحد أنني فعلت ذلك بالطريقة الصعبة.

كما لن يعرف من يرتدي ساعة رولكس مزيفة، أو مَن مِن كتاب الأعمدة يستخدم «شات جي بي تي» لإضفاء لمسة مميزة على مقدماته. في الواقع، يبدو أن التحقق الذاتي هو كل ما تبقى لنا الآن بعد أن أصبح كل شيء قابل للتزييف.

ومع ذلك، كم منّا الآن يُدرك حقيقة نفسه؟! لماذا ما زلنا نُقدّس الأدلة الخارجية إلى هذا الحد؟ إن غالبية الجماهير يرفعون الآن هواتفهم عالياً في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، خشية ألا يجدوا دليلاً على حضورهم.

وبالكاد يُصدّق أطفالي كلمةً أقولها عن شبابي إلا إذا أريتهم صورة لما أتحدث عنه.

فقد أصبح التوثيق مرادفاً للأصالة. ما عليك سوى أن تحاول بيع عمل فني دون توثيق مصدره، حتى لو شاهدت الفنان يرسمه بأم عينيك.

لكن التوثيق وحده لا يكفي الآن. فمنذ أيام، انضمت ناميبيا إلى اتفاقية لواندا للدول الأفريقية على أمل حماية صناعة الماس الطبيعي.

بالتوفيق لهم في ذلك! زوجتي صائغة مجوهرات، وتستطيع شراء أحجار كريمة مُصنّعة في المختبر بسعر الجملة 120 جنيهاً إسترلينياً. وقليل فقط من الأجهزة تستطيع التمييز بينها وبين الماس الطبيعي، فيما لا يستطيع أي إنسان ذلك. وفي يوم الحب هذا، من سيعترف؟

فقط إذا رغب عدد كافٍ من الناس في الحصول على الشيء الأصلي، وأتمنى ذلك حقاً، فسيكون لعمال مناجم ناميبيا مستقبلٌ واعد. وإلا، فإن علم الجيولوجيا سيخضع لحسابات علم الكيمياء. بعد ذلك كله، هل بات للأصالة أهمية فعلاً؟

جان بول سارتر يرى أنها كذلك. كما يرى سوء النية ليس كذباً على الآخرين، بل هو كذب على النفس. والأمر نفسه ينطبق على الطالب الذي يدّعي الجدارة بينما ينسخ من غيره، وكذا شراء المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالنسبة لسارتر، يكمن رعب الحرية تحديداً في قدرتنا على اختيار مدى صدقنا.

وإذا انتحل أكاديمي أو قام مغنٍّ بتحريك شفتيه فقط على المسرح مدعياً الغناء، فهو من سيحاول في نهاية اليوم النوم قرير العين. ومن خلال تجربتي الشخصية، فإن معظم قادة الأعمال والسياسة الذين قابلتهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم غير مؤهلين للمنصب.

مع ذلك، لا يبدو أن كثيراً من الناس منزعجين مما يحدث من محاكاة للتباهي بالمكانة الاجتماعية من خلال إتقان لهجات معينة، أو ادعاء الثراء من خلال تقليد منتجات هيرميس.

وبفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإنه حتى الأمور التي كانت تُعدّ من أصعب الأمور تزييفاً، مثل البرمجة البارعة أو القيادة بسرعة جنونية على طول سور الصين العظيم بسيارة لامبورغيني، أصبحت في غاية السهولة.

لذلك، فقد تحول الصدق والأمانة إلى شأن شخصي بحت. أنت وحدك من يعرف الحقيقة.

ومع ذلك، فإنني أتفق مع الفيلسوف برنارد ويليامز عندما قال إنه حتى لو لم يكتشف أحد الحقيقة، فإن الخطأ أو التزييف يترك أثراً في النفس. ويمكن للقارئ أن يتذكر بعض الأشخاص الذين تتصدر أخبارهم عناوين الصحف حالياً وينطبق عليهم هذا الكلام.

لكن أليس هناك حزن ينبع من معرفة أنك لست الشخص الذي تُظهره - حتى لو هتف الجمهور باسمك؟ إنني ما زلت أستيقظ وأنا غارق في العرق البارد كلما أتذكر المرات التي خدعت فيها الآخرين في الماضي.

من ناحية أخرى، ربما هناك أيضاً متعة يمكن أن تأتي مما أسماه فريدريك نيتشه براءة الصيرورة - الشجاعة لمعرفة ما فعلته بالفعل لنفسك فقط.

لذا، لا داعي للحزن المبالغ فيه بعدما حدث للمتزلجة البريطانية ميا بروكس، التي بذلت قصارى جهدها في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية وفشلت في قفزتها الأخيرة من منافسات القفز العالي. ببساطة لأنها بذلت كل ما في وسعها. وقبل سنوات عديدة، كان أعضاء فريق العاملين معي غاضبين للغاية عندما قام بنك منافس بنسخ كامل لبحثنا بشكل واضح.

«هذا ظلم كبير! علينا أن نرفع دعوى قضائية ضدهم!» قلت لهم: «مهلاً، نحن نعلم أننا كتبناه أولاً. وهم يعلمون أنهم لم يفعلوا. فقط.. عودوا إلى منازلكم وافتخروا بأنفسكم». هل كانوا يفضلون زيادة في الراتب؟ بلا شك.

كذلك، من منا لا يرغب في إنقاص وزنه أو الفوز بميدالية ذهبية أولمبية؟ لكن يجب أن ندرك في النهاية ورغم كل شيء أن السعادة الحقيقية تنبع من معرفة أن الجمهور الوحيد الذي يهمك هو أنت. الصدق عندما لا يراقبك أحد. التميز دون انتظار للتصفيق.