إذا سألنا عن الإنجاز العلمي الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام في أذهان العامة خلال السنوات القليلة الماضية، فسيختار معظمهم الذكاء الاصطناعي، وتحديداً النماذج اللغوية الكبيرة، لكن يأتي في المرتبة الثانية، وربما يستحق المركز الأول مناصفةً، مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالجلوكاجون - 1 (GLP-1)، وهي المركبات المستخدمة في أدوية إنقاص الوزن مثل أوزمبيك وويجوفي، والتي كانت تُوصف في الأصل لعلاج داء السكري، ولكنها الآن شائعة الاستخدام بشكل كبير في إنقاص الوزن.
وكما هي الحال مع الذكاء الاصطناعي، فإن الإقبال على هذه الأدوية كبير للغاية، لكن ماذا عن التداعيات الاقتصادية لاستخدامها على نطاق واسع؟ إن فاعليتها الملحوظة في إنقاص الوزن كافية بحد ذاتها، لكن من المهم أن ندرك أن آثارها قد تمتد لتشمل الاقتصاد بأكمله، بل وربما تُشكل اختباراً لمبادئ النظام الرأسمالي نفسه.
هناك الآن أدلة قوية على أن مستخدمي أدوية GLP-1 يشترون كميات أقل من الطعام، مع أكبر انخفاض في أنواع الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية والمعالجة بشكل كبير. ويبدو أن انخفاض الطلب بدأ يُحدث تأثيراً كبيراً في بعض الأسواق. وعلى سبيل المثال، فقد انخفضت أسعار السكر العالمية إلى النصف خلال العامين الماضيين، ويعود ذلك جزئياً إلى تراجع الطلب. والمثير أيضاً هو تراجع مبيعات المثلجات، مما يؤثر سلباً على الوضع المالي لشركتي «ماغنوم» و«بن آند جيري».
وتعد هذه دورة أخرى من دورات التغيير الجذري أو «التدمير الخلاق»، حيث يؤدي التهديد الذي يواجه بعض المنتجات والخدمات إلى فوائد لمنتجات وخدمات أخرى، فإقبال المستهلكين يزداد على الأطعمة الغنية بالبروتين، وقد يكون ذلك استجابةً لنصائح الحفاظ على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن. وكثيراً ما يحتفل من يحصلون على قوام جديد بشراء ملابس جديدة. في الوقت نفسه، تتوقع شركات الطيران توفيراً للمال من خلال نقص وزن الركاب.
إن مثل هذه التغيرات في أنماط الاستهلاك تستحق الاحتفاء بالتأكيد، إذا أسهمت في تحسين صحة الناس وشعورهم بالتحكم في حياتهم، وتوجيه الموارد نحو منتجات وخدمات أكثر فائدة.
كما أنها يمكن أن تُخفف من العبء على الصحة العامة، وتُمكن الناس من أن يكونوا منتجين أكثر وأن يعملوا لفترة أطول، لكن تأثير أدوية GLP-1 قد يتجاوز ذلك، فكما أن هذا المركب يعمل على ما يبدو من خلال كبح نظام المكافأة في الدماغ، فإنه يتجاوز مجرد الرغبة الشديدة في تناول الطعام. لذلك، يتساءل الباحثون عما إذا كان هذا العلاج سيُسهم في علاج الإدمان عموماً.
يمكن تحسين حياة الكثيرين لو أصبح كبح جماح الرغبات الجامحة أسهل. لكن هناك جانباً آخر. سواء كان ذلك للأفضل أم للأسوأ، فإننا نعيش في نظام اقتصادي قائم على إشباع الرغبات مقابل المال.
كذلك، فإن ميلنا إلى التوق الشديد وعجزنا عن تأجيل الإشباع هما، في نهاية المطاف، أساس جميع أنواع التسويق تقريباً. لكن ماذا سيحدث إذا بدأ عدد كبير من الناس بتناول دواء يُزيل الرغبة في الإشباع؟ وقد يُحسّن الاستهلاك الأقل والادخار الأكثر من حياة الأفراد، لكن انخفاض الطلب الجماعي قد يُؤدي نظرياً إلى فقدان الكثيرين وظائفهم.
عموماً، فإنه حتى لو نجح علم الأدوية في تحقيق ما عجز عنه الفلاسفة لآلاف السنين، من خلال تعزيز قدرتنا على مقاومة الرغبات الفورية، فقد يكون لذلك فوائد اقتصادية أخرى، إذ يمكن، عبر سياسات ذكية، استغلال انخفاض الاستهلاك التلقائي لزيادة الاستثمار طويل الأجل.
وعلى أي حال، هناك أسباب كثيرة تدعو للثقة بأن الرأسمالية ستتكيف في نهاية المطاف.
