يمكن وصف لقاح الحزام الناري (الهربس النطاقي)، على سبيل المجاز، على أنه يحمل فرصاً لتحقيق نجاح غير متوقع. فإلى جانب أدائه لوظيفته الأساسية في الوقاية من فيروس الحماق النطاقي، المسبب لكل من جدري الماء والهربس النطاقي، فإن أدلة متزايدة تشير إلى أنه يحمي أيضاً من الخرف أو الزهايمر، خاصةً بين النساء.
وخلال العام الماضي، أشارت بيانات من حملات تطعيم منفصلة في ويلز وأستراليا وكندا والولايات المتحدة إلى أنه قد يؤخر ظهور الخرف، ويبطئ من تطوره، ويقلل من خطر الوفاة بين المصابين به.
ورغم أن اللقاح موجه لمن تزيد أعمارهم على 50 عاماً، إلا أن الباحث البالغ من العمر 39 عاماً، والذي يقود بعض التحليلات، مقتنع للغاية بالبيانات لدرجة أنه تلقى اللقاح بنفسه.
ويحاول باسكال جيلدزيتزر، الأستاذ المساعد في الطب بجامعة ستانفورد، الآن إعداد تجربة سريرية لإثبات أن العلاقة سببية وليست مجرد ارتباط. وقال: «إنه لأمر مثير للغاية، لأن هذا تدخل غير مكلف يجرى لمرة واحدة، وليس دواءً يؤخذ يومياً أو نظاماً غذائياً ورياضياً يلتزم به لعقود».
والعلاقة غير المفسرة بدرجة كبيرة بين التطعيم ضد الحزام الناري وانخفاض خطر الإصابة بالخرف مهمة لعدة أسباب: فهي تبرز قوة «الدراسات الطبيعية» التي تستفيد من بيانات الرصد الجماعي؛ وتظهر كيف يمكن لإعادة استخدام اللقاحات والعلاجات أن تقدم الأمل.
حيث تعجز الحلول الجديدة؛ وتشير إلى دور الفيروسات في الأمراض التنكسية العصبية؛ وتكشف عن المكاسب الأوسع المحتملة للتطعيم في وقتٍ تتزعزع فيه ثقة الجمهور.
وتركز العلاجات في الغالب على لقاح زوستافاكس، وهو شكل حي مضعف من فيروس الحماق النطاقي (في العديد من البلدان، تم استبدال زوستافاكس الآن بلقاح «شينغريكس» الأكثر فعالية).
ويسبب الفيروس جدري الماء في مرحلة الطفولة، ويمكن أن ينشط لاحقاً ليسبب الحزام الناري، وهو طفح جلدي مؤلم قد تكون له آثار طويلة الأمد، بما في ذلك فقدان السمع والعمى. ويعد كبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة هم الأكثر عرضة للخطر.
وفي عام 2013، أطلقت ويلز لقاح زوستافاكس للفئة العمرية من 70 إلى 79 عاماً وذلك في الأول من سبتمبر- وكان هذا التاريخ يعني أن أي شخص يبلغ 80 عاماً بعد ذلك التاريخ يمكنه تلقي اللقاح، بينما لم يكن أي شخص أكبر سناً، ولو بيوم واحد، مؤهلاً لتلقيه.
وكما يقول جيلدسيتزر، فقد خلقت هذه السياسة «مجموعات مقارنة مثالية. فلو أخذنا 1000 شخص ولدوا في أسبوع، وقارناهم بـ 1000 شخص ولدوا بعد ذلك لأسبوع، فلن يكون هناك أي فرق منهجي بينهما باستثناء احتمالية تلقيهم لقاح الحزام الناري».
لكن المجموعتين في ويلز، اللتين تضمان أكثر من 280 ألف شخص، أظهرتا فرقاً ملحوظاً على مدى السنوات السبع التالية: كانت احتمالية تشخيص الخرف لدى المجموعة المؤهلة لتلقي اللقاح أقل بنسبة 20 %.
وقد قام إريك توبول، الباحث الأمريكي الذي يكتب مدونة «حقائق الأرض» الطبية، بدراسة الأدلة وخلص مؤخراً إلى: لو كان هذا اللقاح دواءً وخفض من خطر الإصابة بمرض الزهايمر بنسبة 20 %، لكان يعتبر إنجازاً كبيراً. بل إن إحدى الدراسات التي نشرت الشهر الماضي في مجلة علم الشيخوخة أشارت إلى وجود صلة بين ذلك وتباطؤ الشيخوخة البيولوجية.
ولا يزال من غير الواضح سبب استفادة النساء بدرجة أكبر من الرجال، كما لا يعرف ما إذا كانت هذه الميزة في الوقاية من الخرف ناتجة عن كبح فيروس الحزام الناري أو عن تعزيز عام للجهاز المناعي بفعل اللقاح.
وقد يكون كلا الأمرين صحيحاً. وأظهرت دراسة أجريت عام 2024 أن لقاح «شينغريكس» الأحدث ولقاح الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) يرتبطان بانخفاض أكبر في خطر الإصابة بالخرف، ويعزى ذلك إلى مكون معزز للمناعة.
وإحدى النظريات المطروحة هي أن اللقاحات تقلل بطريقة ما من الالتهاب، الذي قد يهيئ خلايا الدماغ للنشاط المفرط أو إعادة تنشيط الفيروسات. مع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف ترتبط هذه النتائج بالأشخاص الذين سبق لهم الإصابة بالحزام الناري، أو ما إذا كان التطعيم سيقلل من خطر إصابتهم بالخرف.
ويسعى جيلدسيتزر حالياً إلى تمويل تجربة سريرية على لقاح «زوستافاكس» للإجابة عن هذه التساؤلات وكخطوة نحو الحصول على الموافقة التنظيمية. في نوفمبر، حددت جمعية الزهايمر، بالتعاون مع علماء من جامعة «إكستر»، لقاح «زوستافاكس» كمرشح واعد.
أعلنت المملكة المتحدة مؤخراً عن خطط لخفض سن الأهلية لتلقي لقاح «شينغريكس» إلى 60 عاماً. وأعلنت وكالة الأمن الصحي البريطانية أن مستشاري اللقاحات يدرسون الفوائد الجانبية المحتملة، وقد أشاروا إلى وجود صلة بينها وبين اللقاح. ويرى إريك توبول أن من تجاوزوا الخمسين عاماً يجب أن يفكروا في تلقي هذا اللقاح.
وللعلم، فقد انتهت صلاحية براءة اختراع لقاح زوستافاكس. ولا يسع المرء إلا أن يأمل أن يكون هذا اللقاح الرخيص نسبياً وذو الآثار العميقة المحتملة على المرضى والطب وأبحاث الخرف المستقبلية فعالاً بدرجة ملموسة.