جو ليهي - ريتشارد ميلن
تأتي كاسحة الجليد القطبية الصينية الأحدث، القادرة على اختراق كتل جليدية يصل سمكها إلى 2.5 متر، بمثابة رمز قوي لطموحات بكين في أقصى شمال الأرض، حيث تتصاعد التوترات بسبب محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيطرة على غرينلاند.
وتهدف السفينة، ذات المقدمة المدببة والتي تعمل بالطاقة النووية، والتي كُشف عنها كتصميم مبدئي في ديسمبر، إلى أن تكون نموذجاً أولياً لأسطول بكين القطبي الناشئ. ويقول معهد 708 للأبحاث، المملوك للدولة الصينية والذي صمم السفينة، إنها ستكون «سفينة شحن وسياحة قطبية متعددة المهام».
بينما تعمل الصين لتحقيق مصالحها في المنطقة من منظور التجارة والبحث، لا يشكك سوى قلة من المحللين في النية المدنية والعسكرية المزدوجة لبرنامج بكين القطبي، بدءاً من إنشاء قواعد بحثية وصولا إلى التعاون في مجال النفط والغاز والدوريات العسكرية المشتركة مع روسيا بالقرب من ألاسكا.
ويثير برنامج بناء كاسحات الجليد الصيني الكثير من القلق بالغرب في ظل التقدم الصيني والروسي الواضح في القطب الشمالي، وهو ما استغله ترامب لتبرير ضم الولايات المتحدة لغرينلاند. وقالت هيلينا ليغاردا، رئيسة برنامج العلاقات الخارجية في معهد ميريكس:
«تنظر الصين إلى القطب الشمالي كحدود جديدة بالغة الأهمية في تنافسها الجيوسياسي والجيواستراتيجي مع الولايات المتحدة ومع الغرب عموما. وتسعى بكين بوضوح إلى توسيع نفوذها وحضورها ووصولها إلى القطب الشمالي».
وقد زادت هذه الطموحات من مخاوف الخبراء وصناع السياسات في الولايات المتحدة وغيرها من العواصم الغربية، الذين يتوقعون سباقاً محموماً لتأمين ممرات ملاحية أسرع وأقل تكلفة، فضلاً عن الموارد الطبيعية الغنية مع ذوبان القمم الجليدية القطبية.
يوفر القطب الشمالي إمكانيات لا حصر لها للعمليات العسكرية، بدءاً من الفضاء وحروب الأقمار الصناعية وصولا إلى التمركز الاستراتيجي للغواصات النووية، مما يزيد من خطر تحول التوترات إلى مواجهة فعلية في ظل السباق المحتدم للسيطرة على هذه المنطقة الناشئة.
وأسهم حوض بناء السفن الذي شُيّدت فيه أول كاسحة جليد محلية الصنع في تسليم حاملة الطائرات الصينية الثالثة، فوجيان، التي دخلت الخدمة أواخر العام الماضي والمزودة ببعض أحدث التقنيات العسكرية في البلاد. وتتولى إدارة هذا الحوض شركة بناء السفن الحكومية الصينية العملاقة.
ولطالما راودت الصين طموحات في القطب الشمالي لعقود، إلا أن نشاطها تسارع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، تماشياً مع تنامي نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي.
واشترت بكين أول كاسحة جليد لها، شيو لونغ (التنين الثلجي)، من أوكرانيا عام 1993، قبل أن تبدأ بتطوير أسطولها المحلي. وفي عام 2004، افتتحت أول محطة أبحاث دائمة لها في القطب الشمالي في أرخبيل سفالبارد النرويجي، ثم تلتها محطة أخرى في أيسلندا عام 2018.
وفي العام نفسه، كشفت بكين عن سياستها القطبية الشمالية، التي تتضمن إنشاء «طريق الحرير القطبي» من خلال تطوير طرق الشحن في القطب الشمالي. وكثفت الصين أبحاثها و«مسوحها الهيدروغرافية» في المنطقة، والتي قالت إنها تهدف إلى تحسين «القدرات الأمنية واللوجستية في القطب الشمالي».
وتُعدّ كاسحات الجليد عنصراً بالغ الأهمية لبسط النفوذ في المناطق القطبية، إذ تُمكّن الدول من دخول الأراضي المتجمدة في أغلب الأحيان والحفاظ على وجودها هناك.
وقد خصصت إدارة ترامب 9 مليارات دولار لكاسحات الجليد والبنية التحتية في القطبين الشمالي والجنوبي «لضمان تيسير وصول الولايات المتحدة وتعزيز أمنها وريادتها في المناطق القطبية»، وفقاً لما ذكرته وزارة الدفاع في ديسمبر الماضي.
ووصفت الصين نفسها بأنها «دولة شبه قطبية» في ورقة سياسية لعام 2018، وهو الأمر الذي أثار استنكاراً شديداً من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو، والذي قال: «لا يوجد سوى دول قطبية ودول غير قطبية. لا وجود لفئة ثالثة، والادعاء بخلاف ذلك لا يمنح الصين أي شيء على الإطلاق».
وحتى قبل بضع سنوات، كما ذكرت هيلينا ليغاردا من مؤسسة ميريكس، كانت أوروبا الشريك المفضل للصين في القطب الشمالي. لكن بعد أن بدأت أوروبا في «تقليل المخاطر» بالابتعاد عن الصين وروسيا في أعقاب جائحة (كوفيد 19) واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تقاربت بكين أكثر مع جارتها الشمالية.
وتمر طرق الشحن الرئيسية من أوروبا إلى الصين عبر أراضٍ خاضعة لسيطرة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما في ذلك كندا وغرينلاند. ولذلك، أبدت الصين في السنوات الأخيرة اهتماماً خاصاً بطريق بحر الشمال الذي يمر عبر المياه الروسية.
وصرح يو يون، الباحث في معهد 708 الصيني للأبحاث، لصحيفة تشاينا ديلي الحكومية، بأن طرق القطب الشمالي «يمكنها تقليص مسافات الرحلات بنسبة تتراوح بين 30 و40% مقارنة بطريق قناة السويس التقليدي».
وأفادت تقارير صينية بأنه في شهر سبتمبر الماضي، أبحرت سفينة حاويات تحمل اسم «جسر إسطنبول» من نينغبو، في مقاطعة تشجيانغ الشرقية الصينية، عبر طريق بحر الشمال القطبي إلى ميناء «فيليكس ستو» البريطاني.
وقالت إن الرحلة مثّلت «الافتتاح الرسمي لأول طريق شحن سريع للحاويات في العالم بين الصين وأوروبا في القطب الشمالي»، وهو طريق أطلقت عليه اسم «القطار السريع القطبي الصيني الأوروبي».
استثمرت بكين أيضاً في مشاريع التعدين والطاقة والبنية التحتية في شمال روسيا، بدءاً من مناجم الفحم قرب مورمانسك وصولاً إلى ميناء المياه العميقة في أرخانجيلسك على البحر الأبيض، والذي تشير تقارير إلى أن شركة الشحن الصينية الرئيسية، كوسكو، تخطط لاستخدامه كقاعدة رئيسية لها في القطب الشمالي.
لكن الخبراء يعتقدون أنه بينما تسعى روسيا لاستكشاف الفرص الاقتصادية مع الصين، فإن رغبتها محدودة في تعزيز التعاون. وعلق توري ساندفيك، وزير الدفاع النرويجي على ذلك قائلاً: «تتعاون روسيا تعاوناً وثيقاً مع الصين، لكنّ هناك غموضاً بشأن السماح لها بالتواجد في القطب الشمالي، حيث تسعى روسيا إلى الهيمنة هناك».
وقال مسؤول رفيع المستوى بدول شمال أوروبا إن الدول القطبية الثماني: كندا، الولايات المتحدة الأمريكية (عبر ألاسكا)، الدنمارك (عبر غرينلاند)، النرويج، السويد، فنلندا، وآيسلندا، وكذلك روسيا لا ترغب في أن تضطلع الصين بأي دور رسمي في المنطقة القطبية. وأضاف: «تصف الصين نفسها بأنها دولة شبه قطبية، لكننا لا نريد بوضوح نظاماً يمنح الصين أي نفوذ في المنطقة».
ويرى جيمس شار، الخبير في الشؤون الصينية في كلية «إس راجاراتنام» للدراسات الدولية في سنغافورة، أن استراتيجية بكين تتمثل في «بناء وجود» طويل الأمد في المنطقة، بدلاً من «استعراض صريح للقوة».
وبحسب جو إنجي بيكيفولد، الباحث في المعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، تركزت معظم الأنشطة العسكرية الصينية، بما في ذلك الدوريات البحرية والجوية المشتركة مع روسيا، بالقرب من ألاسكا، على بُعد حوالي 4000 كيلومتر من غرينلاند. وأضاف بيكيفولد: «حتى الآن، لم تُشاهد أي سفينة عسكرية صينية واحدة تبحر في المحيط المتجمد الشمالي».
وشدد بيكيفولد على أن الأهمية العسكرية لممر بحر الشمال «غالباً مُبالغ فيها». وأوضح أن ممراته البحرية الضيقة ومواسمه القصيرة قد تجعل السفن عرضة للخطر في حال نشوب نزاع، مضيفاً أنه سيكون من الصعب على الصين تهريب غواصات نووية إلى القطب الشمالي عبر مضيق بيرينغ دون رصدها.
ورغم أن الرحلة من شمال الصين إلى أوروبا قد تكون أقصر عبر القطب الشمالي، إلا أن الشحن عبر قناة السويس إلى اليونان لا يزال أسرع بالنسبة للمصدرين في قلب الصناعة الجنوبية للبلاد، وفقاً لبيكيفولد.
وفي كل الأحوال، تبدو الصين حريصة على تصوير مصالحها في القطب الشمالي على أنها «مدنية لا استراتيجية». وقال كوي مينغ، مهندس السفن القطبية في معهد 708 البحري، لصحيفة تشاينا ديلي، إن كاسحة الجليد الجديدة التابعة للمعهد ستكون قادرة على نقل مئات الركاب وحاويات الشحن، وستوفر تجربة سفر قطبية «فاخرة وغامرة وآمنة» للركاب، فيما يقول جيمس تشار إن الصين تصوّر أنشطتها «لأغراض البحث أو التجارة والسياحة، لكنني أعتقد أنها تسعى أيضاً إلى ترسيخ وجودها في هذه المناطق القطبية».