رواتب فلكية ومزايا استثنائية.. وجه خفي لتعويضات الرؤساء التنفيذيين بأمريكا

بروك ماسترز
يتمتع الرؤساء التنفيذيون في الولايات المتحدة بمكانة استثنائية، إذ يحظون بحزم أجور تجعلهم محط حسد قادة الشركات حول العالم. فقد بلغ متوسط التعويضات السنوية لهؤلاء التنفيذيين في الشركات المدرجة بمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، نحو 16 مليون دولار، أي أكثر من ضعف ما يتقاضاه نظراؤهم في مؤشر «فوتسي 100» البريطاني.

ولا يقتصر هذا التميّز على الأرقام وحدها، بل يمتد ليشمل امتيازات استثنائية، لا يستطيع معظم الناس سوى التطلع إليها في أحلامهم.

وقد كشفت قواعد الإفصاح الصارمة في الولايات المتحدة، عن تفاصيل مذهلة لتلك المكافآت، إذ منحت شركة «تشوي» المتخصصة في مستلزمات الحيوانات الأليفة، رئيسها التنفيذي سوميت سينغ، حزمة مالية ضخمة، بلغت 29.3 مليون دولار العام الماضي، شملت أسهماً ونقداً، إلى جانب 424,474 دولاراً مخصصة لسيارتين – وليس سيارة واحدة فقط – فضلاً عن 1,007,442 دولاراً تحت بند «خدمات أمنية»، إلى جانب وجبات ونفقات عرضية لحراسه الشخصيين.

وفي السياق ذاته، حظي جورج كورتز، الرئيس التنفيذي لشركة «كراودسترايك»، بحزمة تعويضات بلغت 35 مليون دولار، تتضمن 898,426 دولاراً لاستخدام طائرة خاصة، ورعاية سيارة سباق احترافية يقودها كورتز بنفسه في المنافسات، حيث برّر بيان الشركة لعام 2025 هذه النفقات، بأسلوب مبهج، على أنها توفير للتكاليف، إذ توفر كلفة «تعيين سائق محترف».

أما شركة «وارنر براذرز ديسكفري»، فتمثل نموذجاً صارخاً آخر، إذ ظل ديفيد زاسلاف من بين الرؤساء التنفيذيين الأعلى أجراً في أمريكا، منذ تأسيس الشركة، عبر صفقة اندماج في 2022، ولم يشذ العام الماضي عن هذه القاعدة، حيث جنى ما يقرب من 52 مليون دولار، وامتدت قائمة المزايا الإضافية، لتشمل بدل سيارة بقيمة 17,446 دولاراً، وكذلك 991,179 دولاراً للحماية الشخصية، و51,176 دولاراً لتغطية نفقات اصطحاب ضيوف شخصيين إلى أولمبياد باريس، فضلاً عن 250 ساعة طيران شخصي، على متن الطائرة المؤسسية، تقدر قيمتها بـ 813,990 دولاراً.

ورغم أن شركتي «كراودسترايك» و«تشوي» لم تجريا بعد تصويتهما السنوي حول «التعبير عن الرأي بشأن الأجور»، فقد تلقت وارنر براذرز ديسكفري درساً قاسياً مؤخراً، حول حدود تسامح المستثمرين، حيث فشل تصويتها الاستشاري بشأن التعويضات الأسبوع الماضي، مع تصويت 59% من حاملي الأسهم ضده.

وتصاعدت موجة الغضب، بعدما ارتفعت مكافآت زاسلاف بنسبة 4.4%، في وقت تكبدت الشركة فيه خسائر فادحة، بلغت 11.5 مليار دولار في 2024، إلى جانب خفض تصنيف سنداتها مؤخراً إلى درجة «سندات خردة»، فضلاً عن تراجع أسهمها بأكثر من 60% منذ الاندماج، وإعلانها مؤخراً عن خطط لتفكيك الشركة.

وقد أشار كبار مستشاري التصويت إلى إشكالية حزمة الأجور، وهو ما اتفق معه العديد من المستثمرين، وأكد مجلس إدارة وارنر براذرز ديسكفري، أنه يأخذ نتيجة التصويت «على محمل الجد».

ولا يمثل المستثمرون الغاضبون من زاسلاف سوى استثناء نادر في المشهد العام، ففي العام الجاري، نجحت 95% من شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، التي أجرت تصويتات «التعبير عن الرأي بشأن الأجور»، في الحصول على موافقة ما لا يقل عن 70% من الأسهم المشاركة، وهي نسبة تتجاوز قليلاً ما تحقق في السنوات السابقة، وفقاً لبيانات مؤسستي «كونفرنس بورد» و«إيسغيدج».

ويرى منتقدو النموذج الرأسمالي الأمريكي، أن هذه النتائج تعكس استكانة المساهمين وسماحهم للشركات بالتحول إلى محركات غير منضبطة للتفاوت المالي، غير أن هذه التصويتات غير المتوازنة، يمكن اعتبارها أيضاً دليلاً على أن النظام يعمل وفق رغبات المستثمرين، حيث تضمن الإفصاحات التفصيلية ويقظة مستشاري التصويت بالوكالة، إبقاء المساهمين على اطلاع بكل التفاصيل المالية، وباستثناء الحالات الصارخة، فإنهم راضون عن دفع هذه المبالغ.

المشكلة الآن، أنه حتى هذا القدر المحدود من المساءلة، بات مهدداً، إذ يتساءل بول أتكينز رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات، عما إذا كانت إفصاحات التعويضات الحالية «فعالة من حيث التكلفة»، ناهيك عن «فائض المعلومات غير الجوهرية»، في إشارة تمهد على ما يبدو لتقليص التفاصيل المتاحة للمستثمرين حول آليات احتساب المكافآت، وتكاليف الطائرات الخاصة، وغيرها من الامتيازات.

وفي تطور موازٍ، شككت المفوضة هيستر بيرس في قانونية آلية التصويت «المباشر»، التي تتيح لمستثمري الصناديق المشاركة في تصويتات «التعبير عن الرأي بشأن الأجور»، بدلاً من استبعادهم من عملية التصويت بالوكالة.

ويتجه الكونغرس الأمريكي نحو تقييد نفوذ مستشاري التصويت بالوكالة، وتصعيب مهمتهم في حشد المساهمين ضد الشركات ذات الإدارة السيئة، فيما تعتزم شركة «غلاس لويس»، إحدى أبرز الشركات الاستشارية، تشجيع عملائها على وضع سياساتهم الخاصة بشأن الأجور وقضايا التصويت الأخرى، بدلاً من الاعتماد على توصياتها.

وستؤدي هذه التحركات مجتمعة، إلى تعقيد مهمة المستثمرين في متابعة تفاصيل المكافآت، وتقييد قدرتهم على الاعتراض، حين يرون أن شركة ما تدفع مبالغ مفرطة، أو تكافئ الفشل. وقد تبدو هذه المقترحات مغرية بالنسبة للرؤساء التنفيذيين، الذين لا يرغب أحد منهم في أن يلقى مصير مارك بينيوف، رئيس «سيلزفورس»، الذي اضطر مجلس إدارته لإعادة تصميم حزمة أجره، ووضع سقف لاستخدام طائرته الخاصة، بعد خسارة تصويت المكافآت العام الماضي.

غير أن تقليص متطلبات الإفصاح، تحت ذريعة تخفيف الأعباء البيروقراطية، ينطوي على مخاطر جمة، فالمدفوعات والامتيازات الضخمة، يصعب انتقادها حين يتم الإفصاح عنها بالكامل والمصادقة عليها، في حين تصبح الممارسات التي توحي بتعاملات ذاتية مستترة أكثر عرضة للهجوم، ولعل قضية دينيس كوزلوفسكي الرئيس التنفيذي السابق لشركة «تايكو»، تمثل درساً تحذيرياً، حيث أدت التسريبات حول الحفلات الباذخة ومشتريات الأعمال الفنية، إلى تأجيج الغضب العام، وإدانته بالسجن، بسبب منح نفسه مكافآت غير مصرح بها.

ورغم سخاء الأمريكيين مع أجور الرؤساء التنفيذيين، إلا أن ردود فعلهم تكون عنيفة حين يُساء استغلال هذا الكرم.