إيلون ماسك ليس وحده الطامح إلى بناء مراكز البيانات في الفضاء

تيم برادشو

يراهن إيلون ماسك على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يكون على سطح الأرض، بل في الفضاء - وهو أمر يقع في صميم خطته البالغة 1.25 تريليون دولار لدمج شركة سبيس إكس مع شركته الناشئة «إكس ايه آي» التي تواصل تحقيق الخسائر.

ويجادل ماسك، الذي يهدف إلى طرح أسهم الشركة المندمجة للاكتتاب العام هذا العام، بأن أساطيل ضخمة من الأقمار الاصطناعية التي تعمل بالطاقة الشمسية وتُبرّد بفراغ الفضاء ستصبح الطريقة الأرخص لتوليد قوة الحوسبة للذكاء الاصطناعي.

ويعتقد ماسك أن هذا الأمر سيتحقق خلال السنوات الثلاث المقبلة. لكن مسؤولين تنفيذيين في مجال الأقمار الاصطناعية ومستثمرين وباحثين يرون أن الجدول الزمني الذي وضعه ماسك لوضع مراكز البيانات في الفضاء طموح للغاية.

في المقابل، يتفق كثيرون على أن الفكرة الأساسية تزداد واقعية، طالما استمرت تكاليف الإطلاق في الانخفاض واستمر الطلب على حوسبة الذكاء الاصطناعي في الارتفاع.

وقال ويل مارشال، الرئيس التنفيذي لشركة بلانيت، وهي شركة أقمار صناعية تعمل مع جوجل على تجربة مراكز البيانات المدارية: «هذه ليست مجرد فكرة براقة ابتكرها إيلون لطرح أسهمه للاكتتاب العام، فقد حان الوقت فعلاً لهذا المشروع».

تعود فكرة توليد قوة الحوسبة في الفضاء إلى قصة «العقل» لإسحاق أسيموف، والتي صدرت عام 1941، والتي تصوّر شبكة من محطات الفضاء المدارية تولد طاقة شمسية تُبثّ إلى الأرض.

ويكمن التطور في القرن الحادي والعشرين في استخدام هذه الطاقة الشمسية لتشغيل رقائق الذكاء الاصطناعي، ونقل البيانات إلى الأرض عبر شبكات الأقمار الاصطناعية مثل «ستارلينك» التابعة لشركة سبيس إكس.

ويقول المؤيدون إن أساطيل ضخمة تضم آلاف الأقمار الاصطناعية، المتصلة بشبكة واحدة والموجودة في مدار أرضي منخفض «متزامن مع الشمس»، قادرة على الاستجابة لاستفسارات المستخدمين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بسرعة لا تختلف كثيراً عن سرعة روبوتات الدردشة الأرضية الحالية.

وقال ماسك في بودكاست «تشيكي باينت» التابع لشركة سترايب الأسبوع الماضي: «تذكروا كلامي: في غضون 36 شهراً، وربما أقرب خلال 30 شهراً، سيكون الفضاء هو المكان الأكثر جدوى اقتصادياً لوضع الذكاء الاصطناعي».

وبينما صرّح أحد موظفي «إكس أيه آي» السابقين بأن الفكرة «تبدو وكأنها ظهرت فجأة ودون أي دليل»، فإن إيلون ماسك ليس المسؤول التنفيذي الوحيد في شركات التكنولوجيا الكبرى الذي يسعى إلى تبني هذا المفهوم.

ففي أكتوبر الماضي، تنبأ جيف بيزوس، مؤسس أمازون والرئيس التنفيذي المشارك لشركة «بروجكت بروميثيوس» الناشئة و«الغامضة» في مجال الذكاء الاصطناعي، ببناء «مراكز بيانات عملاقة بقدرة جيجاوات في الفضاء» خلال السنوات المقبلة.

وتخطط جوجل لإطلاق «مهمة تعليمية» لما أطلقت عليه اسم «بروجكت صن كاتشر» بالتعاون مع شركة «بلانيت» بحلول أوائل عام 2027، وذلك بإطلاق قمرين صناعيين نموذجيين يحتويان على رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، والتي تتضمن وحدة معالجة الموترات، إلى مدار أرضي منخفض.

كما تخطط شركتان ناشئتان، هما «ستاركلاود» و«إيثرفلكس»، لإطلاق وحدات معالجة رسومية إلى الفضاء خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وقال بايجو بهات، مؤسس شركة «إيثرفلكس»، إن طفرة الذكاء الاصطناعي قد خلقت «نقطة تحول غير مسبوقة في استخدام الطاقة»، ما أدى إلى «حافز اقتصادي هائل» لوضع الذكاء الاصطناعي في الفضاء.

وبينما تتعثر العديد من مشاريع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحالية في التخطيط أو بسبب تأخيرات في إمدادات الطاقة، فإن إطلاق الرقائق الإلكترونية إلى الفضاء من شأنه أن يُفعّلها «بسرعة النشاط الصناعي لا سرعة تطوير العقارات»، مع إمكانية الوصول إلى طاقة غير محدودة فعلياً.

ويقول بايجو بهات، وهو أيضاً المؤسس المشارك لتطبيق التداول روبن هود: «سيكون هذا أحد المحفزات لتوسيع نطاق الوصول إلى الفضاء على نطاق صناعي واسع. والمهم أننا لسنا بحاجة إلى ابتكار مواد جديدة لتحقيق ذلك».

من جانبه، يرى ستيف كولار، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إس إي إس»، إحدى أكبر شركات تشغيل الأقمار الاصطناعية في العالم أن: «إيلون دائمًا متقدم بسنوات على التكنولوجيا والواقع، لكن هذا لا يعني أنه مخطئ. هذا يخدم مصالحه الشخصية لكنه يمكن أن يكون على صواب في الوقت نفسه».

ويضيف كولار، الذي يرأس الآن شركة «سويس تو 12» للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية: «الجانب الإيجابي هو توفر وصول غير محدود وفعال للطاقة الشمسية، والفضاء شديد البرودة. وهذان العاملان مفيدان للغاية لنظام يستهلك كميات هائلة من الطاقة ويولد كميات هائلة من الحرارة».

وأكد فيليب جونستون، المؤسس المشارك لشركة ستار كلاود، على اعتقاده بأن هذه التقنية «ستُثبت فعاليتها بنسبة 100 % خلال سنتين أو ثلاث سنوات، بل ربما هذا العام». وأضاف: «الأمر بديهي تماماً: لذلك خلال السنوات العشر المقبلة، ستُبنى جميع أجهزة الحوسبة في الفضاء».

لكن الجدوى الاقتصادية تعتمد على عدة افتراضات لم تُثبت بعد. أولها انخفاض كبير في تكلفة إطلاق مجموعات كبيرة من الأقمار الاصطناعية. وثانيها، إمكانية حماية رقائق مثل وحدات معالجة الرسومات من إنفيديا، التي تُعدّ اليوم الركيزة الأساسية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الأرضية، من الإشعاع وتبريدها في فراغ الفضاء. والأهم من ذلك، يفترض هذا المفهوم أن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي ستستمر في طلب قدرات حاسوبية أكبر باستمرار.

وقدّرت ورقة بحثية لـ«جوجل» نُشرت في نوفمبر أنه إذا انخفضت أسعار الإطلاق إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام الواحد - من تكلفة لا تقل عن 1000 دولار للكيلوغرام حالياً - فإن تكلفة إطلاق وتشغيل مركز بيانات فضائي ستكون «مقاربة تقريباً» لتكلفة مركز بيانات أرضي مماثل على أساس الكيلوواط/ السنة.

وتوقعت الورقة أن هذا الحد لن يُتحقق قبل «منتصف ثلاثينيات القرن الحالي»، لكن البعض يراهن على أن الحسابات الاقتصادية ستتغير مع انتشار الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام مثل «ستار شيب» من سبيس إكس أو «نيو غلين» من بلو أوريجين، والتي تعد بخفض التكاليف بشكل كبير.

وقد قدمت شركة سبيس إكس بالفعل وثائق إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية للحصول على إذن بإطلاق ما يصل إلى مليون قمر صناعي للذكاء الاصطناعي.

رغم ذلك كله، يبقى الكثيرون في قطاع التكنولوجيا متشككين في إمكانية تجاوز هذه العقبات. وقال مات جارمان، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون ويب سيرفيسز، خلال تدريب عملي في مؤتمر سيسكو الأسبوع الماضي في سان فرانسيسكو: «لا أعرف إن كنتم قد رأيتم رفوف الخوادم مؤخرًا.. إنها ثقيلة جداً».

وقال مارشال، الرئيس التنفيذي لشركة بلانيت، إنه كان يناقش الفكرة مع جوجل لعدة سنوات قبل أن يبدأ ماسك وبيزوس بالترويج لها في أواخر عام 2025. ونظراً لتعقيد هندسة هذه الأنظمة، يعتقد أن الجدوى الاقتصادية قد تتحقق قبل أن تصبح التكنولوجيا جاهزة. وأضاف مارشال: «لا تزال هناك العديد من القرارات المعمارية التي لم تُحسم بعد، لكن لا شيء من هذا مستحيل.. السباق بدأ بالفعل».