انهيار العملات الرقمية قادم لا محالة.. ولن يكون الأمر سهلاً


جيميما كيلي
«إنها قصة رجل يسقط من مبنى شاهق بارتفاع 50 طابقاً.. في كل طابق، وهو يسقط، يواسي نفسه قائلاً: حتى الآن، كل شيء على ما يرام، حتى الآن، كل شيء على ما يرام».

هكذا يبدأ الفيلم الفرنسي الكلاسيكي الرائع «البغضاء» (La Haine) الذي تم عرضه عام 1995. هذه الصورة، وتلك الكلمات حُفرت في ذاكرتي مدى الحياة.

إنها تُريحني عندما أشعر بالقلق أو تراودني مخاوف زائفة. إنها توحي لي بأنه بما أنني أفلتُّ من مصاب السوء حتى الآن، فربما سأستمر في النجاة.

حتى الآن، يفلت مُروّجو البيتكوين وممتلكوها من مصاب السوء أيضاً. صحيح أن البيتكوين ربما شهدت عشرات الانهيارات الكبيرة، وربما أفلست مئات شركات العملات الرقمية، وربما خسر عدد لا يحصى من الناس مدخرات عمرهم، لكن في كل مرة تهبط فيها البيتكوين، تعاود الارتفاع.

وأولئك القادرون على تحملها يتمسكون بها، أما غير القادرين فهم من يخسرون كل شيء، والذاكرة الذهنية التي يكتسبونها مع كل انتعاش تجعلهم يعتقدون أن عملتهم الرقمية المقدسة ستدوم إلى الأبد.

واسمحوا لي أن أقولها بوضوح: هذا غير صحيح. ثقة مؤيدي البيتكوين المفرطة، أو بالأحرى الثقة التي يبثونها، التي تُعدّ أساسية لاستمرار هذا النظام، كانت دائماً غير مبررة وغير مسؤولة ومتهورة. ومنذ نشأتها، تسير البيتكوين في رحلة ستنتهي بسقوط مدوٍّ.

وخلال الأسبوع الماضي، بات هذا السقوط واضحاً للعيان، وبسرعة، فقد شهدت عملة البيتكوين أسوأ انهيار لها منذ عام 2022، حيث انخفضت إلى ما يقارب 60 ألف دولار في وقت ما يوم الجمعة، وهو ما محا جميع المكاسب التي حققتها منذ إعادة انتخاب دونالد ترامب في عام 2024، حيث سجلت انخفاضاً بأكثر من النصف منذ بلوغها مستويات قياسية تجاوزت 127 ألف دولار في أكتوبر الماضي.

ووفقاً لبيانات شركة كوين جلاس، فقد تمت تصفية ما يقارب 1.25 مليار دولار من مراكز البيتكوين في غضون 24 ساعة فقط من الخميس إلى الجمعة.

ويبدو اليأس ومحاولة التأقلم واضحاً للعيان، ولذلك فقد كتب بالاجي سرينيفاسان، أحد أبرز دعاة العملات الرقمية الرئيس التنفيذي السابق للتكنولوجيا في منصة تداول العملات الرقمية كوين بيس، على منصة «إكس» يوم الخميس: «لم أكن يوماً أكثر تفاؤلاً بشأن العملات الرقمية، لأن النظام القائم على القواعد ينهار، بينما يرتفع النظام القائم على البرمجة، لذا فإن السعر على المدى القصير لا يهم». هذا ما وجب عليه قوله في ظل هذه الأحوال.

من ناحية أخرى، فضّل البعض التواضع على الكلام المبهم. كتب مايكل سايلور، الرجل الذي حوّل شركته «استراتيجي» إلى رهان ضخم على البيتكوين (تمتلك الشركة أكثر من 713 ألف بتكوين، أي نحو 3.4% من إجمالي العملات المتداولة)، يوم الأربعاء: «إذا أردتم إهدائي هدية عيد ميلاد، فاشتروا بعض البيتكوين لأنفسكم». يا له من ملياردير مسكين في يوم عيد ميلاده!

وفي اليوم التالي، وخلال مكالمة هاتفية لمناقشة أرباح الربع الأخير من عام 2025، قبل ذروة الأزمة، والتي تكبدت خلالها شركة «استراتيجي» خسائر فادحة بلغت 12.4 مليار دولار، حاول سايلور استخدام أساليب إقناع مختلفة، أصرّ قائلاً: «لا أعتقد أنه يمكن التقليل من أهمية وجود دعم للصناعة ورأس المال الرقمي على أعلى مستويات الهيكل السياسي»، مشيراً إلى أن أمريكا لديها «رئيس بتكوين» عازم على تحويلها إلى «عاصمة العملات المشفرة في العالم».

لكن هنا تكمن المشكلة بالنسبة لعالم العملات المشفرة، فسايلور مُحقّ؛ أمريكا لديها بالفعل أقرب ما يمكن أن تصل إليه من «رئيس بتكوين»، مع مصالح عائلية راسخة في هذا المجال.

ومع ذلك، ورغم إنشاء «احتياطي استراتيجي للبيتكوين»، والعفو عن عدد كبير من المدانين بجرائم العملات الرقمية، والسماح للأمريكيين بإيداع العملات الرقمية في الحساب التقاعدي (401k)، وادعاء إنهاء «حرب الرئيس السابق جو بايدن على العملات الرقمية» خلال أول 200 يوم له في منصبه، فلم يمنع وجود ترامب في البيت الأبيض من كبح جماح موجة البيع، لذلك، إذا لم تزدهر البيتكوين في هذه الظروف، فمتى ستزدهر؟

إننا لم نصل بعد إلى «دوامة الموت» النهائية للبيتكوين؛ ولا أدعي معرفة متى سيحدث ذلك.

وبالتأكيد، محاولة تحديد تاريخ انتهاء جنون المضاربة القائم على مجرد الاعتقاد، أو بالأحرى على الاعتقاد باعتقاد الآخرين، مهمة صعبة، وقد تشهد البيتكوين بعض الارتفاعات الإضافية (حتى وقت كتابة هذا المقال، كانت قد انتعشت إلى نحو 69000 دولار، وهو مستوى يبقى مرتفعاً رغم كل شيء).

عموماً، فقد أظهر لنا الأسبوع الماضي أن مخزون «كبار المغفلين» الذين تعتمد عليهم البيتكوين آخذ في النضوب.

والأوهام التي أبقت العملات الرقمية صامدة تكشف لكثيرين أنها مجرد أوهام. كما بدأ الناس يدركون أنه لا يوجد حد أدنى لقيمة أي شيء مبني على لا شيء.. على العدم.

وعليك أن تسأل نفسك: هل يمكن لهذا الشيء أن يبقى موجوداً بعد مئة عام؟ وتذكر أن «المهم ليس كيف تسقط، بل كيف سيكون حالك عندما تصل إلى الأرض».

كما يجب أن تتذكر الرجل وهو يردد: «إلى هنا كل شيء على ما يرام، إلى هنا كل شيء على ما يرام، إلى هنا...».