قطاع التكنولوجيا ينذر بعملية إعادة ضبط كبيرة للأسواق

كاتي مارتن
من الواضح أن بتكوين باتت الضحية الأبرز لعملية إعادة ترتيب لهرمية الأصول عالية المخاطر، ففي وقت مبكر من يوم الجمعة انخفض سعر بتكوين، رمز المتحمسين للتحررية المالية، إلى ما يقارب 60.000 دولار، مسجلاً انخفاضاً حاداً بنسبة 30 % منذ بداية هذا العام، وانخفاضاً بنسبة 50 % عن ذروته التاريخية في أكتوبر من العام الماضي، وإن كانت بتكوين قد عادت وسجلت ارتفاعاً في وقت لاحق من اليوم نفسه. 

وعلى الرغم من الأمل والحماس اللذين بثتهما إعادة انتخاب دونالد ترامب في هذا القطاع فإن بتكوين نفسها - العملة الأضخم في عالم العملات الرقمية - تحوم الآن دون مستواها، الذي كان عليه وقت الانتخابات، ويرجع سبب هذا الانخفاض الكبير إلى نفس العامل، الذي يؤثر دائماً على سعر بتكوين، ألا وهو تراجع التفاؤل المفرط في السوق بشكل عام، وفي قطاع التكنولوجيا بشكل خاص، لأنني أرى أن التبريرات التي تبدو ذكية، والمتعلقة بالتضخم والطلب على الملاذات الآمنة وإعادة هيكلة النظام المالي بعيداً عن العملات التقليدية، هي مجرد هراء.

يعد هذا التغيير الجذري في أسواق الأسهم أمراً بالغ الأهمية، ففي الولايات المتحدة انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 القياسي بنحو 3 % عن أعلى مستوى له عند 7000 نقطة في وقت سابق من هذا العام، وهذا انخفاض كبير بحد ذاته، وهو يخفي أيضاً اضطرابات خطيرة كامنة، ولتوضيح ذلك فقد انخفض مؤشر ناسداك المركب، الغني بأسهم التكنولوجيا، بنسبة 6 % عن أعلى مستوى له في هذا العام، الذي لا يزال في بداياته، ولكنه يبدو حافلاً بالأحداث.

وقد وصفت شارون بيل، محللة الأسهم في غولدمان ساكس، ما نشهده بأنه «انهيار تكنولوجي»، «ويبدو الأمر غريباً بعض الشيء، نظراً لأن الاستثمارات عالية المخاطر، خصوصاً في الولايات المتحدة، لم تشهد أداء جيداً كهذا من قبل، فالأسهم مدعومة من بنك مركزي يبدو أنه على وشك خفض أسعار الفائدة بشكل أكبر، كما يبدو أن قانون «القانون الكبير والجميل» يسير على الطريق الصحيح، لتقديم حوافز اقتصادية على شكل إعفاءات ضريبية للمواطنين الأمريكيين.

وقد صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً بأنه يتوقع أن تتضاعف أسواق الأسهم «في فترة وجيزة نسبياً».

إن المشكلة هنا لا تكمن في أن الحماس لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي قد أثبت أنه فقاعة كما خشي الكثيرون، أو على الأقل، لم تنفجر هذه الفقاعة لأن التكنولوجيا نفسها أثبتت فشلها، بل على العكس تماماً فمن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات يعمل بكفاءة عالية جداً، وقد تأثرت أسهم شركات التحليلات والبرمجيات سلباً هذا الأسبوع بعد أن أطلقت شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي أدوات إنتاجية قد تغني، مع مرور الوقت، عن الكثير من وظائفها.

وأوضح شارون بيل قائلة: «شهدت أسهم شركات البرمجيات وخدمات البيانات والناشرين ومزودي المعلومات المالية ومديري الأصول البديلة وشركات الألعاب انخفاضاً حاداً نتيجة لتزايد المخاوف من الاضطرابات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي، كما انخفض قطاع البرمجيات بنسبة 16 % حتى الآن هذا العام، بينما ارتفع مؤشر ستوكس يوروب 600، الذي طالما عانى من قلة الاهتمام، والمشتمل على الكثير من شركات إنتاج السلع الأساسية والمرافق والصناعات والخدمات المالية، بنسبة 4 %».

لقد بدأ نموذج الاستثنائية الأمريكية، الذي هيمن على الاستثمار لعقود، بالتراجع، خاصة أن السياسات الجيوسياسية والاقتصادية العشوائية لإدارة ترامب تقوض بالفعل عادة المستثمرين غير الأمريكيين في إبقاء الأسواق الأمريكية في صميم محافظهم الاستثمارية، كما أنه من الواضح أن إعادة هيكلة قطاع التكنولوجيا أمر لا يستطيع ترامب السيطرة عليه، وعلى عكس تراجعات السوق الأخرى التي شهدها العام الماضي لا يستطيع الرئيس الأمريكي أن ينهي هذا الوضع بضغطة زر.

إن كبار مديري الأصول لطالما صرحوا لشهور طويلة بأن قيادة السوق ستنتقل في مرحلة ما من المنتجين ومقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي العملاقة إلى الشركات، التي ستستفيد بشكل ملموس من تحسينات الإنتاجية، التي تعد بها هذه التقنية، وما شهدناه في الأسواق خلال الأيام الماضية يشير إلى أن تلك اللحظة قد حانت أبكر مما كانوا يتوقعون.

وقال جيم ريد، المحلل في دويتشه بنك، في مذكرة لعملائه منذ أيام: «خلال الأشهر القليلة الماضية تحول السوق بشكل واضح من عقلية «كل أسهم التكنولوجيا رابحة» إلى شيء أكثر قسوة: سوق فيه رابحون وخاسرون حقيقيون».

وأضاف: يبدو الآن أن قطاع التكنولوجيا «يلتهم نفسه».

لقد شكل المد المتصاعد الذي وصفه جيم ريد بأنه أساس متين لجميع أنواع المضاربات الهابطة في الأسواق خلال العامين الماضيين، بما في ذلك العملات الرقمية، لكن قدرة هذه العملات على الصمود أمر جدير بالملاحظة، ولن أستبعد أبداً إمكانية انتعاشها طالما بقي عدد كافٍ من الناس، لسبب غير مفهوم في رأيي، متمسكين بفلسفتها الأساسية، لكن في كل الأحوال يبدو الآن أن الوقت قد حان لإعادة تقييم مستوى تقبل المخاطر في الأسواق العالمية، وهذا قد لا يبشر بالخير لا لأسعار العملات الرقمية ولا للأداء المتردي أصلاً للشركات التي تشتريها وتخزنها، وعلى سبيل المثال فإن إحدى هذه الشركات، وهي شركة «استراتيجي»، أعلنت عن خسارة تشغيلية قدرها 17 مليار دولار في أحدث نتائجها الفصلية منذ أيام.

وخسر السهم، الذي كان قريباً من الانضمام إلى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 العام الماضي، 17 % إضافية يوم الخميس، أي بإجمالي انخفاض قدره 80 % تقريباً منذ ذروته بعد إعادة انتخاب ترامب.

ولعل الصدمة التي لحقت بالبيتكوين قاسية على أولئك الذين استثمروا مدخرات حياتهم فيها، لكن المؤشرات التحذيرية كانت واضحة منذ البداية، ومن المنطقي أن نتوقع من أولئك الذين اشتروا هذه الأسهم أنهم فعلوا ذلك وهم على دراية تامة بما يمكن أن يحدث، فقد استثمروا رأس مالهم في هذا «النظام الفكري غير المجدي لفترة طويلة جداً».

وبصفة عامة فإنه في ظل بيئة السوق الأكثر اتزاناً بعد انهيار قطاع التكنولوجيا حان الوقت الآن لتوجيه هذه الأموال نحو شيء أكثر فائدة في النظام المالي.