العالم يعيش عصراً محفوفاً بمخاطر «السياسة الكمية» وتلاشي اليقين

أرمين سركيسيان.. الرئيس السابق لأرمينيا وعالم في الفيزياء النظرية ومؤلف كتاب «نادي الدول الصغيرة: كيف يمكن للدول الصغيرة الذكية إنقاذ العالم؟»
أرمين سركيسيان.. الرئيس السابق لأرمينيا وعالم في الفيزياء النظرية ومؤلف كتاب «نادي الدول الصغيرة: كيف يمكن للدول الصغيرة الذكية إنقاذ العالم؟»

نشأتُ في ظل الاتحاد السوفييتي، وهو نظام يتذكر الكثيرون اليوم ركوده. ومع ذلك، فقد وفّر شيئاً واحداً بوفرة كبيرة: اليقين. فمنذ صغري، كنتُ أعرف بدقة كبيرة كيف ستسير حياتي. إذا درستُ جيداً، فسأترقى، وسأحصل على منصب أكاديمي، وأنشر أبحاثاً، وربما أحصل على بعض التكريم.

كذلك، سأمتلك منزلاً ريفياً صغيراً، وسيارة، وأتقاعد، وفي النهاية سأموت. لم تكن حياةً تتمتع بحرية كبيرة، لكنها كانت حياةً تحكمها قواعد نادراً ما تتغير.

وعندما تعرفتُ إلى الغرب لأول مرة كباحث شاب في جامعة كامبريدج، كان أكثر ما أثار دهشتي هو الوضع المغاير تماماً.

لم يكن الأمر مجرد حرية، بل كان هناك أيضاً حالة من عدم اليقين، إذ لم تكن المسارات المهنية مضمونة، والحياة قابلة للانعطاف في اتجاهات غير متوقعة. لم يكن هذا الغموض عيباً، بل كان مصدراً لحيوية الغرب. لكنه بدا لي كأنه ثمن الانفتاح والتجريب والإمكانات.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفييتي، انزلقنا إلى عصر يحكمه الكثير من عدم اليقين.

ليس عدم اليقين بالمعنى المألوف للمخاطرة أو التقلب، بل بطريقة أعمق وأكثر هيكلية. إننا نعيش فترة تكاد تتلاشى فيها القدرة على التنبؤ - عصر من عدم اليقين الشديد. لقد هدم الغرب، منذ نهاية الحرب الباردة، ضوابطه الخاصة.

وتم تحرير الأسواق بوتيرة أسرع من قدرة العقود الاجتماعية على التكيف. كما اتسعت الفجوة بين الأعراق، وتضاءلت الثقة بالمؤسسات والخبرات والحقيقة المشتركة.

وقد خلق هذا التآكل أرضاً خصبة للشعبوية الاستقطابية. وباتت الشخصيات السياسية التي تزدهر على الانقسام والاستعراض والاضطراب هي المستفيد الرئيس من هذا الوضع.

لقد تلقيتُ تدريباً كفيزيائي، وفي الفيزياء نميّز بين الفيزياء الكلاسيكية والكمية. الفيزياء الكلاسيكية تصف عالماً تشكّله قوانين ثابتة، حيث يمكن التنبؤ بالنتائج إذا توفرت معلومات كافية عن المتغيرات.

أما الفيزياء الكمية فهي، على النقيض من ذلك، تتعامل مع عدم اليقين باعتباره أمراً جوهرياً. وتكون النتائج احتمالية وليست حتمية. إنني أعتقد أن السياسة قد تجاوزت عتبة مماثلة. وإننا دخلنا عصر ما يمكن أن أسميه «السياسة الكمية». ويمتد هذا التحوّل إلى النظام الدولي نفسه.

وقد أوضحت الأحداث الأخيرة في فنزويلا مدى هشاشة الافتراضات الراسخة. كما ظهر شرخ مماثل في الاضطرابات المتعلقة بقضية غرينلاند.

في هذا الواقع الجديد، تتسم التحالفات بالسيولة. وتُمارس السلطة بشكل أقل عبر المؤسسات وأكثر بكثير عبر الاضطراب.

وتتواجد المعلومات في حالات متعددة في آن واحد - أحياناً تكون ملموسة وذات سلطة، وأحياناً أخرى تكون منتشرة وغير مستقرة.

من هذا المنطلق، يصبح فهم شخصيات مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسهل. فعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته ليس شذوذاً، بل هو أسلوب، ففي سعيه لإحداث اضطراب، يعمل ترامب كجسيم نشط يصطدم بنواة جيوسياسية حساسة.

لذلك، لم تنحسر الأزمة المباشرة في غرينلاند الشهر الماضي لأن جهات خارجية نجحت في احتوائها، بل لأن القوة المزعزعة نفسها التي أشعلت فتيلها اختارت، مؤقتاً، إيقافها.

وبذلك، انطلقت سلسلة من ردود الفعل: تم تهميش أوروبا، وجرى تجاوز المظاهر الخارجية للمعايير متعددة الأطراف، وتهميش مؤسسات دولية كالأمم المتحدة. ولم يعد النظام إلى توازنه.

وبالنسبة للدول الصغيرة، يُعدّ هذا العصر الكمي محفوفاً بالمخاطر بشكل خاص. ففي العالم التقليدي، للقواعد أهمية بالغة. ويوفر القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف والاتفاقيات الدبلوماسية للدول الصغيرة حماية ونفوذاً يفوق حجمها أحياناً.

أما في العالم الكمي، حيث تتلاشى المعايير وتصبح الضمانات بلا معنى، فتجد الدول الصغيرة نفسها مكشوفة، ومجبرة على المناورة بين قوى أكبر مع تقلص شديد لهامش الخطأ.

وقد لعبت التكنولوجيا دوراً حاسماً في تسريع هذا التحول. فبإمكان أي شخص يمتلك هاتفاً وحساباً على وسائل التواصل الاجتماعي الآن المشاركة في نقاش سياسي حاد، وتحدي السلطة، وحشد الآخرين.

وقد أسهم هذا التواصل في هدم أنظمة راسخة كانت تبدو في السابق دائمة. وتم واقعياً ضغط الزمن، فنحن ننام في واقع سياسي، ونستيقظ في آخر.

وقد وصف عالم الاجتماع زيجمونت باومان هذه الحالة بـ«الحداثة السائلة»: عالم تتلاشى فيه البنى أسرع من إمكانية إعادة بنائها. من الواضح بدرجة كبيرة أن العالم الكلاسيكي القائم على افتراضات سياسية مستقرة، وتغيير تدريجي، ونتائج متوقعة لن يعود. ومهمتنا الآن هي فهم ما ظهر، والتفكير بوضوح وهدوء واستراتيجية في كيفية التصرف في ظله.