«البيتكوين» أحد أوجه جنون «الاستهلاك التفاخري»

عندما صاغ ثورستين فيبلين، عالم الاقتصاد والاجتماع الأمريكي مفهوم «الاستهلاك التفاخري»، لم يكن ليتخيل أن ينفق أحد مستثمري العملات الرقمية 6.2 ملايين دولار لشراء ثمرة موز وتناولها. كما لم يكن ليتصور وجود عملة رقمية لا قيمة جوهرية لها، تباع بما يقارب 100 ألف دولار. لكن لو كان عالم الاقتصاد والاجتماع، الذي عاش في القرن التاسع عشر، بيننا اليوم، لقال إن نظريته تنطبق على كلتا الحالتين، حيث أصبحت «بيتكوين» والموزة من السلع «الفيبلينية» نسبة إلى «فيبلين».

ويأتي هذا المسمى ليصف أصولاً تنافي العوامل الطبيعية للسوق، إذ تصبح أكثر جاذبية مع ازدياد قيمتها. وتشمل هذه الأصول، في الظروف التقليدية، رفاهيات مثل السيارات الفارهة، وأحياناً أحذية رياضية صنعتها شركات للمنتجات الفاخرة. وقد تبرز هذه الأصناف المكانة الرفيعة التي يحتلها الفرد، لكنها بطبيعة الحال، وحسب وصف فيبلين: «مضيعة للوقت بامتياز». وكلما كانت السلعة غير ذات فائدة ومكلفة، كلما كانت أغلى سعراً وقيمة.

وكانت عملة «بيتكوين» بمثابة إحدى السلع الفيبلينية لبعض الأعوام. وكانت مشتريات العملة الرقمية مدفوعة ليس فقط بالمكانة، وإنما باحتمالات بيعها إلى أحمق آخر لكن بسعر أعلى. ولا يفكر المشترون الأثرياء لحقائب «هيرميس بيركين»، أو ساعات «باتيك فيليب»، أو شاحنات «تسلا»، في تحقيق عوائد على الاستثمار بصفة عامة. وعلى النقيض، فإنه حتى أكثر أسهم «الميم» سخافة يمكن أن تكون مفيدة إذا بيعت بربح.

وقد دخلت «بيتكوين» عصر الفيبلينية خلال الأيام الأخيرة لأنها باتت بمثابة وسام للنخبة في يومنا الحاضر. وأسبغ دونالد ترامب على العملة المشفرة صفة الشرعية، وسمى أحد أباطرتها في حكومته. وصرح هوارد لوتنيك، وزيره الجديد للتجارة، بأنه من المعجبين بالعملة ومقتنيها. ومن المرجح أن تكون الإدارة الأمريكية الودودة تجاه العملة مبشرة بمزيد من الفرص للاستثمار في «بيتكوين»، وقد تمنح أيضاً مكانة لمالكيها.

وهناك أيضاً إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وهو من مؤيدي العملات المشفرة ويرأس حالياً مبادرة لمكافحة الهدر الحكومي سميت تيمناً بعملة «دوج كوين». وفيما مضى، كان ركوب الخيل، أو الدراية بالأنساب، أو تملك القطع الفنية، يبرز انتماء الفرد لطبقة النخبة، لكن صار أباطرة التكنولوجيا وداعمي «بيتكوين» هم الذين يحكمون العالم في الوقت الراهن. وأضحى شراء العملات المشفرة مقرباً للفرد نفسياً من دائرة هذه النخبة.

وانضمت موزة بيعت في دار سوذبيز للمزادات بقيمة 6.2 ملايين دولار إلى هذا النسق الجديد. وبالنسبة لمشتري هذا العمل الفني الذي يحمل اسم «الكوميدي»، وهي في حقيقة الأمر شهادة تمنح حاملها الحق في لصق موزة على الحائط، فهو مؤسس رمز مشفر يدعى «ترون». وقال جاستن صن، مشتري الموزة، إن تناول الموزة سيجعله جزءاً من «تجربة فنية فريدة». ولم يكن فيبلين ليصف الأمر بصورة أفضل من ذلك.

كل هذه أنباء كئيبة للسلع الفيبلينية التقليدية. فقد تعثرت «إل في إم إتش»، ووقعت شركة «كيرينغ» المالكة لعلامة «غوتشي» في مشكلات، بسبب انحسار الطلب على سلعهما للرفاهية. ولم تعد الملابس الفاخرة المترفة محل اهتمام مثلما كانت من قبل. وإذا كان أباطرة العلامات التجارية الفخمة يرغبون في الحفاظ على منزلتهم، فربما سيكونون بحاجة إلى تنويع أنشطة مجموعاتهم الراقية من الحقائب إلى عملة «بيتكوين»، حتى وإن كان الأمر جنونياً بدرجة ما.