فقاعة استثمارية انفجرت ولم تحظَ بالكثير من الاهتمام

سايمون إيدلستين
رغم أن عام 2026 لم يمضِ منه سوى أربعة أسابيع، إلا أنه يثبت حتى الآن أنه عام متقلب، فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثم تراجع، عن فرض تعريفات جمركية مرتبطة بمخططاته تجاه غرينلاند، وارتفع سعر الذهب بشكل جنوني رغم تراجعه الأخير. 

الأمر الثابت الوحيد هو: المخاوف من أن أسهم الذكاء الاصطناعي عالقة في فقاعة، فخلال منتدى دافوس انضم ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ديب مايند، إلى قائمة قادة التكنولوجيا، الذين أعربوا عن مخاوفهم بشأن التفاؤل المفرط في السوق، واصفاً بعض قطاعات الصناعة بأنها تبدو «شبيهة بالفقاعة» بشكل متزايد، فهل سينفجر كل شيء هذا العام؟

لا أحد يعلم، لكن هذا يدفعني للتساؤل عن سبب ندرة استخدامنا نفس المصطلحات عند الحديث عن فقاعة سوقية أخرى انفجرت بوضوح، خلال السنوات الخمس الماضية: الاستثمار في الأنشطة المرتبطة بصافي الانبعاثات الصفرية، وعادة ما تشترك الفقاعات الاقتصادية في بعض السمات: تقييمات مشكوك فيها، تمويل بالديون بشكل مفرط، جشع، ظهور مفاجئ لمجموعة من الخبراء (كثير منهم ذوو مؤهلات مشكوك فيها)، وتجاهل الأدلة المخالفة، فهل ينطبق هذا على الذكاء الاصطناعي؟

ربما، لكنه ينطبق على الاستثمار في الصافي الصفري، وكانت أولى تجاربي مع هذا الموضوع في أوائل سبعينيات القرن الماضي، فعندما كنت أستعد لامتحانات الشهادة الثانوية العامة اقترحت علي مدرستي إجراء اختبار إضافي لتقليص وقت فراغي، الذي يسهم في إثارتي للمشاكل.

كان موضوعاً جديداً، «العلم في المجتمع»، والذي تطلب مني الإجابة عن أسئلة مبنية على تقرير صدر عام 1971 بعنوان «حدود النمو».

لقد تنبأ ذلك التقرير، من بين أمور أخرى، بنفاد النفط في العالم خلال عشر سنوات.

لاحقاً في وظيفتي الأولى وسيط أسهم ركزت على تحليل شركات التنقيب عن النفط، واكتشفت أنها لم تكن قلقة بالمرة بشأن نضوب آبار النفط، بل كانت ببساطة لا تهدر الأموال على توقعات الإنتاج لأكثر من عقد، ورغم أن هذا جعلني أشكك في العلماء الذين يزعمون «أننا سنموت جميعاً غداً»، إلا أنني لم أكن يوماً من منكري تغير المناخ وتداعياته.

لقد رأيت بنفسي تأثيرات ظاهرة الاحتباس الحراري قبل 15 عاماً، عندما بدأت طيور أبو ملعقة في التعشيش في نورفولك، وقبل عقد من الزمن برزت ضرورة دعم الحكومات لمصادر الطاقة المتجددة، فقد بدأت التقارير تبرز أضرار الوقود الأحفوري على البيئة.

كما كانت أسعارها عرضة لتقلبات حادة، لذلك استثمرت أموالي في شركات تشغيل مزارع الرياح مثل شركة «اورستيد» الدنماركية، وشركات الطاقة الشمسية مثل شركة «فيرست سولار» الأمريكية.

وبين عامي 2016 و2020 حققت هذه الأسهم أداء ممتازاً، وخلال مؤتمر الأطراف السادس والعشرين «كوب 26» تم إطلاق تحالف غلاسكو المالي من أجل صافي الانبعاثات الصفرية، برئاسة مارك كارني. يا لها من تغيرات! من الصعب إيجاد مثال أفضل لتراجع مفهوم صافي الانبعاثات الصفرية من رؤية كارني، قبل بضعة أشهر وهو يدعم صناعة الرمال النفطية الكندية.

وقد شهدت شركات إدارة الصناديق تحولاً مماثلاً، حيث انهارت أسعار أسهم الاستثمارات الرائدة في هذا القطاع بشكل عام، وفيما بلغت أسهم شركة «أورستيد» ذروتها عند 720 كرونة دنماركية قبل خمس سنوات، فهي اليوم عند حوالي 118 كرونة دنماركية؛ كما انخفضت أسهم شركة «فيستاس» المنافسة في مجال الطاقة المستدامة من 298 كرونة دنماركية إلى 170 كرونة دنماركية خلال فترة مماثلة، ويؤكد ذلك أن مزاعم مديري الصناديق بأن قراراتهم الاستثمارية ستحدث فرقاً ملموساً في مستويات الكربون في الغلاف الجوي كان مبالغاً فيها (كان هناك الكثير من شعار «كل جهد صغير يحدث فرقاً»).

علاوة على ذلك يعتمد معدل استبدال الوقود الأحفوري على سعره أكثر من اعتماده على القرارات الحكومية – وما يحدث لأسعار النفط الحالي يعني عدم وجود اندفاع تجاري لبناء المزيد من مصادر الطاقة المتجددة.

وفي ذروتها حملت فكرة صافي الانبعاثات الصفرية جميع سمات الفقاعة الكلاسيكية: الإفراط الجامح في الاستثمار والخوف السائد من تفويت الفرصة (حيث مثل إنفاق الشركات الكبرى أموالاً طائلة على تراخيص طاقة الرياح البحرية ذروة هذه الظاهرة)، فضلاً عن ارتفاع تمويل الديون (حيث تضاعفت ديون شركة أورستيد ثلاث مرات في خمس سنوات).

وهكذا يبدو أن الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية كان مشروعاً سياسياً، ولم يكن وسيلة لبناء محفظة استثمارية، لكن هذا لا يعني أن جدوى الاستثمار في شركات صافي الانبعاثات الصفرية قد انتهت، فبينما يحاول العديد من الحكومات وشركات الاستثمار التستر على تصريحاتها السابقة المبالغ فيها يستمر المناخ في التغير، فقد شهدت المملكة المتحدة العام الماضي أكثر الأعوام المسجلة في تاريخها، واستمر العالم في موجة من درجات الحرارة المرتفعة، على الرغم من أننا ندخل الآن في فترة ظاهرة «لا نينا»، التي تشهد انخفاضاً في درجات حرارة المحيطات، فماذا يعني هذا بالنسبة للمستثمرين؟

وإذا كان كارني محقاً عندما تحدث في دافوس مؤخراً، بتأكيده على ضرورة أن تصبح الدول أكثر اكتفاء ذاتياً، فسيتم تشجيع مصادر الطاقة المتجددة الفعالة من حيث التكلفة، كما يمكن توقع فرض رسوم وغرامات أعلى على مصادر الطاقة الملوثة، وهذا يعني أن العوامل البيئية يجب أن تظل جزءاً من التحليل الأساسي لمخاطر الأسهم، وكذلك الحوكمة، حيث تحترم الحكومات حقوق المساهمين.

وفي هذا السياق، تشهد الصين انتعاشاً تدريجياً بعد فترة ركود، بينما تتراجع الولايات المتحدة بعد بلوغها ذروتها، وقد تضرر قطاع طاقة الرياح بشدة جراء انهيار فقاعة صافي الانبعاثات الصفرية، ولا أتوقع أن يشهد هذا القطاع انتعاشاً مماثلاً، فالمناطق الأكثر رياحاً تستغل بالفعل في العديد من المواقع، ما يحد من فرص النمو.

وبالنسبة للطاقة الشمسية فالوضع مختلف، إذ تستمر كفاءة الألواح الشمسية في التحسن، وقد خالفت أسهم شركة «فيرست سولار» اتجاه التراجع نحو صافي الانبعاثات الصفرية، حيث ارتفعت من حوالي 100 دولار قبل خمس سنوات إلى 243 دولاراً اليوم.

وتصنع الشركة منتجاتها داخل الولايات المتحدة، ما يحميها من الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على الألواح الصينية، كما ارتفعت كفاءة ألواحها من منتصف النسبة بين 13 - 19 % قبل عقد إلى 20 % اليوم.

وخلال العام الماضي كشفت الشركة النقاب عن لوح - يعتمد على تقنية جديدة من سيلينيد النحاس والإنديوم والغاليوم - بكفاءة 23.6 %، وبهذه المستويات من الكفاءة تصبح الطاقة الشمسية أرخص من الكهرباء من الشبكة في العديد من المناطق، وفي هذا السياق تبدو مبادرة «المنازل الدافئة»، التي أطلقتها الحكومة البريطانية، والتي تهدف إلى توفير ألواح شمسية مجانية للأسر ذات الدخل المحدود، منطقية.

ونحن لا نستثمر في شركة «فيرست سولار» حالياً، لأنها استفادت بشكل كبير من الإعفاءات الضريبية، التي أقرها بايدن لشركات الطاقة المتجددة، ما جعل تقييمها أمراً معقداً، ومع ذلك فإننا ستثمر في الشركات، التي تستفيد من الطلب المتزايد باستمرار على شبكة الكهرباء، لذلك نمتلك أسهماً في شركتي «شنايدر» و«سيمنز» للهندسة الكهربائية، واللتين تعملان في مجال توليد الطاقة وتخزينها، ونقلها ورفع كفاءتها.

وقد تكون الأولوية السياسية الآن هي ضمان إمدادات طاقة آمنة بدلاً من خفض انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، ولكن هناك بعض الأخبار الجيدة في هذا الصدد، فعندما بلغت فقاعة الاستثمار في صافي الانبعاثات الصفرية ذروتها لم تكن الصين متوافقة مع الجدول الزمني لمؤتمر الأطراف، ما جعل الجهود الغربية لخفض الانبعاثات تبدو عديمة الجدوى، أما في السنوات الأخيرة فقد سارعت بكين بتنفيذ خططها الخاصة؛ كما أطلقت الهند سوقها الداخلية لتداول الانبعاثات هذا العام، ولن ترضي أي من هذه المبادرات علماء الكربون، ومن المرجح أن يستمر كل من الكربون في الغلاف الجوي ومتوسط درجات الحرارة في الارتفاع خلال السنوات القليلة المقبلة، ولا شك في أن المتشائمين سيواصلون التنبؤ بحدوث الكوارث.